أثار الاستطلاع الأخير الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (مستقل مقره رام الله)، بين 5 و8 آب/ أغسطس الجاري، نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية الفلسطينية، في ظل ما أظهره من مؤشرات على اتساع فجوة الثقة بين الجمهور والنظام السياسي، وتراجع التأييد للقوى السياسية التقليدية، بالتزامن مع استمرار الغموض بشأن مستقبل الانتخابات الفلسطينية وشكل المنافسة فيها.
وفيما رأى محللون أن النتائج تعكس أزمة عميقة في أداء النظام السياسي، خصوصاً في ظل مطالبة 79% من المستطلعة آراؤهم باستقالة الرئيس محمود عباس، واعتبار 65% أن السلطة الفلسطينية أصبحت عبئاً، واعتقاد 83% بوجود فساد في مؤسساتها، حذّر آخرون من التعامل مع نتائج الاستطلاع باعتبارها مؤشراً نهائياً على الخريطة الانتخابية، مشيرين إلى عوامل تتصل بظروف إجراء الاستطلاعات وطبيعة المرحلة السياسية الراهنة.
ويبرز في الاستطلاع، بحسب قراءة المحللين، أن “تراجع شعبية أحد طرفي الثنائية السياسية الفلسطينية لا يعني بالضرورة انتقال الجمهور إلى الطرف الآخر”؛ إذ تتساوى حركة “فتح” وحركة “حماس” تقريباً في نسبة التأييد، عند نحو 24% لكل منهما، فيما تبلغ نسبة الذين لا يؤيدون أياً منهما أو لا يعرفون نحو 38%.
ويرى عضو المجلس الثوري لحركة “فتح”، الدكتور ياسر أبو بكر، أن هذه النتيجة تستحق “قراءة هادئة ومسؤولة، بعيداً عن منطق الانتصار والهزيمة بين الفصائل”، معتبراً أن الأرقام لا تقدم حكماً نهائياً على أي طرف، بقدر ما تكشف اتجاهات ينبغي التوقف عندها.
ويقول أبو بكر لـ”قدس برس” إن “النتيجة الأهم هي أن تراجع حماس لم يتحول تلقائياً إلى صعود لفتح”، معتبراً أن ذلك يعني أن قطاعاً متزايداً من الجمهور الفلسطيني “لا ينتقل ببساطة من فصيل إلى آخر، بل يبتعد عن الثنائية التقليدية كلها، ويبحث عن قيادة أكثر قدرة على الإنجاز واستعادة الثقة”.
ويضيف أن هذه النتيجة تمثل “رسالة ينبغي أن تقرأها فتح بوضوح”، مفادها أن “ضعف الخصم لا يصنع قوتنا، وإنما تصنعها قدرتنا على التجدد والاقتراب من الناس”.
أزمة ثقة تتجاوز الفصائل
وبحسب أبو بكر، فإن أرقام الاستطلاع المتعلقة بالسلطة والنظام السياسي لا يمكن فصلها عن واقع فلسطيني أكثر تعقيداً، في ظل الاستيطان ومصادرة الأراضي وتصاعد اعتداءات المستوطنين، إلى جانب المشهد السياسي الإسرائيلي الرافض في قطاعات واسعة منه لقيام دولة فلسطينية.
ويلفت إلى أن ذلك يفسر، في رأيه، عدم وجود تناقض بين تأييد 56% من الفلسطينيين لحل الدولتين على حدود عام 1967، وبين اعتقاد 58% بأن هذا الحل أصبح غير عملي بسبب الاستيطان، فضلاً عن اعتقاد 64% بأن فرص قيام دولة فلسطينية خلال السنوات الخمس المقبلة ضعيفة أو معدومة.
ويقول إن “الفلسطيني هنا لا يتخلى عن الدولة، بل يقول بوضوح: ما زلت أريدها، لكنني لم أعد أرى الطريق إليها”.
ويرى أن أخطر ما تكشفه النتائج هو أن الأزمة الفلسطينية “ليست أزمة تراجع عن الحقوق الوطنية، وإنما أزمة ثقة بالوسائل والقيادات والبيئة السياسية التي يمكن أن تحول تلك الحقوق إلى واقع”.
ومن هذا المنطلق، يعتبر أبو بكر أن المسؤولية الملقاة على حركة “فتح” أكبر، داعياً إلى تجديد بنيتها وأدائها وعلاقتها بالجمهور، وعدم اختزال الحركة في كونها القوة السياسية المرتبطة بإدارة السلطة.
ويقول إن “السلطة الوطنية مؤسسة يجب حمايتها وإصلاحها، لكن فتح أوسع منها وأقدم منها، ومشروعها الأساس هو إنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني”، معتبراً أن استعادة هذا التمييز يمكن أن تساعد الحركة في استعادة ثقة الجمهور.
فتح أمام امتحان لا أمام النهاية
من جهته، يرى الناشط محسن جمال الدين أن نتائج الاستطلاع تضع حركة “فتح” أمام “امتحان كبير”، لكنه لا يعتقد أنها أمام طريق مسدود.
ويقول لـ”قدس برس” إن الحركة ما تزال تمتلك “قاعدة واسعة، وتجربة عميقة، وكوادر قادرة، وحضوراً لا يمكن تجاهله في كل مكونات المجتمع الفلسطيني”، معتبراً أن المطلوب هو القدرة على قراءة التحولات وإعادة ترتيب الأولويات.
ويضيف أن “فتح التي نريدها ليست أسيرة ماضيها، بل وفية له وهي تصنع المستقبل”، داعياً إلى أن تكون الحركة “قوية بقواعدها، قريبة من شعبها، واضحة في هدفها: فلسطين أولاً”.
ويرى جمال الدين أن تراجع مؤشرات الثقة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره “نعياً لفتح”، بل باعتباره دعوة إلى مراجعة الخلل وتطوير الأداء، مشدداً على أن الحركة لا تزال تملك مقومات النهوض إذا استطاعت الاستماع إلى جمهورها.
تشكيك في دقة الاستطلاعات
في المقابل، يتعامل الكاتب والمحلل السياسي رمزي عودة بحذر أكبر مع نتائج الاستطلاع، منتقداً ما يعتبره غياب الدقة في بعض استطلاعات الرأي الفلسطينية.
ويقول إن “هذه الاستطلاعات غير دقيقة ولدى بعضها أجندات واضحة”، مضيفاً أن بعض التقارير والتصريحات الإسرائيلية تحدثت، بحسب قوله، عن إعداد أجزاء من استطلاعات سابقة في قطاع غزة، وهو ما يرى أنه يستدعي الحذر في قراءة نتائجها.
كما يرفض عودة، في الوقت ذاته، الاستنتاج القائل إن نتائج الاستطلاع تعني انهيار حركة “فتح” انتخابياً، مؤكداً أن الحركة، وفق تقديره، ما تزال تحظى بقاعدة جماهيرية واسعة.
لكن عودة يحدد “الانقسام الداخلي في فتح” باعتباره التحدي الأكبر أمام الحركة في أي انتخابات مقبلة، وليس حركة “حماس”.
ويحذر من تكرار تجربة انتخابات عام 2006 في حال دخلت الحركة الانتخابات بأكثر من قائمة، سواء من خلال قوائم مستقلة أو أجنحة فتحاوية مختلفة، معتبراً أن تشتت الأصوات يمكن أن يؤدي إلى خسارة انتخابية رغم امتلاك الحركة قاعدة جماهيرية كبيرة.
“البرغوثي ومفارقة الرصيد الوطني”
ومن بين المؤشرات التي يراها أبو بكر لافتة في الاستطلاع، المكانة المتقدمة للأسير مروان البرغوثي في المزاج الشعبي، معتبراً أن الأمر لا يتعلق بشخصه وحده، بل يكشف عن فجوة بين “الرصيد الوطني التاريخي لفتح وبين مستوى التأييد الحزبي المباشر لها”.
ويقول إن ذلك يعني أن “المشكلة ليست في فكرة فتح ولا في تاريخها، بل في كيفية تجديد صورتها وأدائها وقيادتها وعلاقتها بالناس”.
كما يقرأ أبو بكر تراجع الاعتقاد بجدوى العمل المسلح وحده، مقابل ارتفاع تفضيل المفاوضات والمقاومة الشعبية، باعتباره بحثاً من الجمهور عن “استراتيجية أكثر جدوى”، وليس انتقالاً نحو الاستسلام أو التخلي عن الحقوق الوطنية.
ويرى أن بإمكان فتح تقديم رؤية تجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية والدبلوماسية، والصمود على الأرض، ومواجهة الاستيطان، وبناء التحالفات الدولية، ضمن هدف واضح يتمثل في “إنهاء الاحتلال، لا إدارة الاحتلال”.
وبينما تختلف قراءات المحللين بشأن دقة بعض الأرقام ودلالاتها الانتخابية، تتقاطع مواقفهم عند حقيقة أساسية: “الاستطلاع لا يكشف فقط عن توازن محتمل بين فتح وحماس، بل عن أزمة أوسع تمس علاقة الجمهور الفلسطيني بالنظام السياسي برمته”.
وتبدو الرسالة الأبرز، وفق هذه القراءات، أن أي انتخابات مقبلة لن تكون مجرد منافسة بين فصائل، بل اختباراً لقدرة القوى السياسية على استعادة ثقة جمهور بات جزء كبير منه يبحث عن بدائل خارج الثنائية التقليدية، وعن قيادة قادرة على تحويل المشروع الوطني من شعار إلى مسار سياسي قابل للتحقق.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY