في مخيمات النزوح الممتدة غرب وجنوب قطاع غزة، يقف النازحون حفاة في الطين، يلاحقون بقايا خيام مزّقتها الرياح، ويتقاسمون بطانية واحدة بين أطفال يرتجفون وبردٍ لا يرحم.
الخيام التي نُصبت على عجل لم تصمد أمام أول اختبار جوي؛ الرياح اقتلعتها، والمطر أغرقها، فيما أخذت الكارثة تلسع الناجين من المقتلة. هنا أطفال يصارعون نزلات البرد، وكبار سن يواجهون الرطوبة بلا دواء، وأمهات يجففن الماء بأكمام ثيابهن كي لا يغرق صغارهن في مستنقعات الطين التي خلّفتها السيول والفيضانات.
يقول أيمن الزين، أحد الناجين من الإبادة:
“مع أول مطرة غرقنا وتبللت بطانياتنا وفرشات النوم. لم يبقَ مكان نلجأ إليه. الخيمة التي كانت بيتنا في التشرد والنزوح ذهبت مع الريح ولم تصمد معنا لأيام المنخفض القادمة”.
ويضيف في حديثه لـ”قدس برس”:
“الجميع يحذر من المنخفض والعاصفة ويدعو لأخذ الحيطة، لكن ماذا يمكن لنا كساكني خيام أن نفعل؟ ما دور الذين ينادون بالثبات خلف الشاشات؟ هل أصبح التضامن مع الغارقين في غزة مجرد شعارات؟”.
ويتابع الزين، وهو نازح في مخيم غرب مدينة غزة:
“لا نعرف ما الذي سيحدث. يقولون إن العاصفة لم تدخل ذروتها بعد. نحن وأطفالنا في الشارع ننتظر الموت بردًا وغرقًا، بعدما نجونا من الموت برصاص الاحتلال”.
ويناشد الزين الوسطاء الضغط على الاحتلال لإدخال الكرفانات ومواد الإغاثة:
“هذا ثاني منخفض، ولم يدخل الشتاء ذروته بعد. كيف سنتعامل مع القادم إذا استمر الحال هكذا؟”.
ولا يختلف المشهد كثيرًا بين شمال القطاع وجنوبه. ففي مواصي خانيونس، يقف محمود الهسي، الناجي من الإبادة، حاملاً طفله على كتفه خشية أن تغرق قدماه في وحل الطين. يقول: “حدث ما كنت أخشاه. دعمت الخيمة بالحجارة الثقيلة وسددت ثقوبها، لكن دون جدوى. الرياح كانت أقوى من قدرة الخيمة على الصمود”.
ويضيف: “نحن الآن ننتظر دخول العاصفة ذروتها حتى نطير معها. خيامنا تهالكت منذ بداية المنخفض، ولم يبقَ غطاء يحجب عنا المطر والريح”.
ويتساءل الهسي بمرارة: “هل يرى العالم غزة الغارقة بمياه الأمطار كما رآها غارقة بدمها؟ ألن توقظ هذه الكارثة ضمائرهم، أم طُبع عليها فلم يعد فيها متسع لنصرتنا؟”.
من جانبه، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن نحو مليون ونصف المليون نازح يعيشون أوضاعًا إنسانية قاسية تُجسّد واحدة من أخطر الكوارث عالميًا.
وقال المتحدث باسم المكتب، إسماعيل الثوابتة، إن “مئات آلاف العائلات تقيم في خيام مهترئة بفعل تداعيات حرب الإبادة والظروف المناخية”، مضيفًا أن أكثر من 125 ألف خيمة تضررت أو اهترأت بالكامل وفقدت قدرتها على توفير المأوى والحماية.
وكشف الثوابتة لـ”قدس برس” أن القطاع يحتاج إلى 300 ألف خيمة جديدة لتلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين، بينما لم يدخل سوى 20 ألف خيمة فقط، أي ما يعادل 7 بالمئة من الاحتياج الفعلي، وهو نقص فادح يضع النازحين أمام ظروف معيشية لا تُطاق.
وشدد على أن الخيام الحالية هشّة ولا تقي من البرد والرياح والأمطار الغزيرة، مشيرًا إلى أن المنخفض الجوي السابق أغرق عشرات آلاف الخيام وحوّل المخيمات إلى مناطق غارقة بالكامل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY