Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

في جنازة موجعة وموكب مهيب… غزة تودّع 112 شهيدا من عائلة أبو شريعة والحساينة

لم تكن الجنازة هذه المرة كسائر الجنائز؛ لم يحمل المشيعون أسماءً كاملة، ولم تكن الوجوه حاضرة كما اعتاد الناس أن يودعوا أحباءهم.

كانت أكفانا بيضاء؛ تضم رفاتًا انتُشلت تباعًا من تحت أنقاض منزل ظل شاهدًا على المأساة لعامين كاملين، قبل أن يسمح الوقت والظروف بانتشال ما بقي من الضحايا.

في مشهد يختزل قسوة الحرب، شيّع الفلسطينيون رفات 112 من أفراد عائلة أبو شريعة والحساينة، بعدما ظلت أجسادهم مدفونة تحت الركام، لتتحول لحظة الوداع إلى جنازة مؤجلة، اختلطت فيها الدموع بمرارة الانتظار الطويل، والأسئلة التي بقيت بلا إجابة.

عامان مرا على الفاجعة، بينما كانت العائلة تعيش بين أمل العثور على أحبائها، وألم معرفة أنهم ما زالوا تحت الأنقاض.

لم يكن الانتظار مجرد حساب للأيام، بل امتدادًا للحزن الذي ظل معلقًا، فلا قبر يُزار، ولا عزاء يكتمل، ولا وداع يخفف من وطأة الفقد.

وعندما بدأت عمليات انتشال الرفات، لم يكن المشهد مجرد إجراء إنساني، بل استعادة مؤلمة لذاكرة لم تغادر المكان.

كل قطعة ركام أزيحت كانت تعيد تفاصيل اليوم الذي انهار فيه المنزل على من فيه، وكل رفات انتُشل كان يحمل حكاية إنسان انقطعت حياته وبقي أثره ينتظر من يخرجه إلى النور.

رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، الدكتور علاء الدين العكلوك، قال إن “نحو 15 ألف شهيد ما زالوا تحت أنقاض المنازل والمنشآت المدمرة في قطاع غزة، ينتظرون انتشال جثامينهم ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية”.

وأضاف لـ”قدس برس”، أن انتشال جثامين 112 شهيدا وتشييعهم، يجسد حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها قطاع غزة جراء حرب الإبادة والدمار الواسع.

وأردف أن ما جرى لعائلتي الحساينة وأبو شريعة لا يمثل مأساة خاصة بهما، بل يعكس واقع آلاف العائلات الفلسطينية التي ما زالت تنتظر رفع الركام عن منازلها، والوصول إلى جثامين أبنائها وذويها الذين بقوا مدفونين تحت الأنقاض لفترات طويلة.

وتابع، أن عائلتي الحساينة وأبو شريعة تمكنتا، بعد جهود مضنية ومعاناة طويلة من انتشال بعض جثامين أبنائهم، موضحا أن هذه الجهود لا تعني إحياء مشاهد الموت، بل استعادة كرامة الشهداء ومنح عائلاتهم حقها في وداعهم ودفنهم في قبور معروفة.

وأوضح العكلوك، أن قطاع غزة تحول بفعل الدمار الواسع إلى مدينة من الركام ومقابر مفتوحة ومتفرقة، حيث باتت كل عمارة مدمرة تخفي تحتها شهيدًا أو عائلة كاملة، فيما تحمل أكوام الأنقاض قصصًا لأحلام لم تكتمل وحياة توقفت بفعل القصف.

وأكد أن ما حدث اليوم مع آل ابو شريعة يمثل حلم كثير من العائلات بغزة في العثور على جثامين أبنائها وآبائها وأمهاتها، واحتضانهم للمرة الأخيرة، ثم دفنهم في قبور معروفة يمكن الوصول إليها وزيارتها.

وأضاف، “لقد قبل أهل غزة أن يدفنوا أبناءهم في المقابر، لكن الاحتلال، ومعه صمت العالم وعجزه، يحاول أن يحرمهم حتى من هذا الحق الإنساني البسيط”.

وأشار إلى أن المقابر نفسها لم تسلم من الاستهداف والتجريف، ما جعل شوارع وأحياء وساحات في قطاع غزة تتحول إلى أماكن دفن مؤقتة ومقابر مفتوحة، في ظل استمرار وجود آلاف الجثامين تحت ركام المنازل والمنشآت.

ودعا رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية مجلس السلام الدولي، والأطراف الراعية للاتفاق، والمجتمع الدولي، إلى البدء الفوري في عملية شاملة لرفع الركام وانتشال جثامين الشهداء، بالتوازي مع إدخال الآليات والمعدات اللازمة وفتح الطريق أمام إعادة إعمار قطاع غزة.

وشدد على أن أي تحرك جاد لإنهاء المأساة الإنسانية في غزة يجب أن يبدأ بانتشال الشهداء من تحت الأنقاض، وإنهاء سياسة الحصار والتجويع، وتوفير الاحتياجات الأساسية للسكان الذين أنهكتهم الحرب والدمار والنزوح.

كما وجه العكلوك نداءً إلى الدول العربية والإسلامية والجهات القادرة على الدعم، للإسراع في تزويد الجهات المختصة بالوقود، وإدخال الآليات والمعدات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض والوصول إلى الجثامين المدفونة تحتها.

وأشار الى أن إدخال الآليات الثقيلة لا يمثل مسألة فنية أو لوجستية فقط، بل يعد أولوية إنسانية وأخلاقية، لما يحمله من أثر مباشر في استعادة جثامين الشهداء وتمكين ذويهم من دفنهم بما يحفظ كرامتهم.

وقال العكلوك إن الوقوف أمام منازل عائلتي الحساينة وأبو شريعة يجب أن يكون بداية لمسار شامل، يمتد إلى منطقة التاج وسط مدينة غزة وإلى مختلف الأحياء والمناطق التي ما زالت تضم مئات وآلاف الشهداء تحت الأنقاض.

ودعا إلى وضع خطة وطنية وإنسانية شاملة لرفع الركام، تتضمن حصر المواقع المدمرة، وتحديد الأولويات، وتوفير الوقود والآليات والطواقم الفنية، بما يضمن عدم بقاء أي عائلة محرومة من الوصول إلى أبنائها.

بدوره أكد المتحدث باسم الدفاع المدني بغزة الرائد محمود بصل، أن الـ 112 شهيدا الذين تم تشييعهم لم يكونوا العدد الكلي لشهداء آل أبو شريعة والحساينة، فما يزال ما يقارب ال 100 شهيد مجهولي المصير ولم تنتشل جثامينهم بعد.

وقال بصل لـ”قدس برس”، إن طواقم الدفاع المدني استمرت على مدار 17 يوماً وهي تحاول إخراج جثامين هؤلاء الشهداء، في حين لم تساعد الامكانيات الموجودة في انتشال كل الضحايا.

وأضاف، القضية تحتاج إلى معدات أكثر، إلى أدوات أكثر، إمكانيات أكثر.

وأشار الى أن هناك ما يقارب 8000 جثمان ما زالوا تحت الأنقاض هم بحاجة إلى تدخل من قبل فرق الدفاع المدني حتى يتم انتشالهم من تحت الأنقاض.

يذكر أنه في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، ارتكب جيش الاحتلال مجزرة أسفرت عن استشهاد 308 فلسطينيين من عائلتي أبو شريعة والحساينة، بينهم 40 طفلا و30 امرأة و7 أشخاص من ذوي الإعاقة، وفق ما أفادت به مصادر فلسطينية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY