أثار تعديل مفاجئ في بيانات السجلات المدنية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين في سوريا جدلاً واسعاً وردود فعل غاضبة، بعد إدراج صفة “أجنبي” أو “فلسطيني مقيم” بدلاً من “فلسطيني سوري”، واستبدال خانة “المحافظة” بكلمة “أجانب”، حتى في حالات المواليد داخل سوريا منذ نكبة 1948.
ونقلت وسائل إعلام محلية عن مصدر حكومي سوري قوله إن ما جرى “خلل تقني غير مقصود” وقع أثناء دمج سجلات محافظة “إدلب” مع المنظومة المركزية، بعد سنوات من الانفصال الإداري زمن سيطرة المعارضة، مؤكداً أن الخطأ سيتم تصحيحه قريباً. وهو ما أكده سيد المصري، رئيس اللجنة الوزارية المشرفة على هيئة اللاجئين الفلسطينيين، في تصريح لـ “قدس برس”.
توثيق التغيير ومخاوف متزايدة
ووفق وثائق رسمية تداولها ناشطون، شمل التغيير فلسطينيين تتراوح أعمارهم بين 30 و50 عاماً، حيث أُدرجت صفة “فلسطيني مقيم” بوضوح، واستُبدلت خانة “المحافظة” بـ”أجنبي”. وقد تم توثيق حالات مماثلة في محافظات أخرى، أبرزها “درعا” و”ريف دمشق”، ما أثار تساؤلات حول نطاق التعديل، وما إذا كان مجرد خطأ موضعي كما تؤكد الحكومة، أم جزءاً من توجه أوسع.
محاولة ناعمة لنزع صفة اللجوء
وحذّر الكاتب والناشط الفلسطيني خالد عطية من خطورة هذا التغيير، واصفاً ما يحدث بأنه “انزياح إداري سياسي مقنّع”، يندرج ضمن محاولات نزع الصفة القانونية والسياسية عن اللاجئ الفلسطيني.
واعتبر عطية في حديثه مع “قدس برس” أن ما يجري “ليس مجرد إهمال بيروقراطي أو خلل مؤقت كما يُروّج، بل هو نموذج صامت من الحرب على الفلسطيني، يُدار بأدوات التجاهل والتعتيم، ليُمرَّر لاحقاً كأمر واقع”.
ودعا إلى “التوقف الجاد أمام هذه التطورات، والتصدي لها سياسياً وقانونياً وفكرياً”، محذّراً من أن “ما يُنتزع اليوم من الوثائق الرسمية، سيُنتزع غداً من كتب التاريخ ومن وعي الأجيال”.
مخالفة قانونية واضحة
من جهته، شدّد الحقوقي الفلسطيني أيمن أبو هاشم على أن إدراج صفة “أجنبي” في قيود الفلسطينيين بسوريا يُعد مخالفة صريحة للقانون رقم 260 لعام 1956، الذي حدد الوضع القانوني للاجئين الفلسطينيين في سوريا.
وقال أبو هاشم لـ “قدس برس” إن النظام السوري، “حتى في أشد مراحل تسلطه، لم يجرؤ على تغيير صفة الفلسطيني في الوثائق المدنية. أما هذا التغيير، حتى لو كان نتيجة جهل إداري، فإنه يظل غير مقبول إطلاقاً”.
ونوّه إلى أن اعتماد نظام “النافذة الموحدة” في الأحوال المدنية منح الجهات المسؤولة الوقت الكافي لدمج بيانات الفلسطينيين دون أخطاء، “ما يجعل المسؤولية القانونية والمهنية تقع على عاتق الموظفين والمديرين”.
هندسة جديدة للعلاقة القانونية
بدوره، اعتبر المحامي السوري عادل خليان أن تعديل صفة الفلسطينيين في السجلات المدنية “يمثل تحولاً خطيراً في العلاقة القانونية التي تربطهم بالدولة السورية”.
وأوضح خليان أن استبدال وصف “فلسطيني سوري” بالوصف الجديد “فلسطيني مقيم – محافظة أجنبي” لجميع المواليد، يعيد تشكيل العلاقة القانونية من حيث الانتماء والجنسية، ويضع الفلسطينيين في مرتبة الأجانب، ما يمهّد لفرض قيود أوسع على الإقامة والتملك والحقوق المدنية.
خلل فني وليس توجهاً سياسياً
في المقابل، قلّل الحقوقي الفلسطيني غياث دبور من خطورة ما حدث، موضحاً أن الواقعة ناجمة عن إشكال تقني وفني، بسبب تسجيل الفلسطينيين في إدلب ضمن خانة “المهاجرين” بدلاً من “اللاجئين”، نتيجة الانفصال الإداري خلال السنوات الماضية.
وقال دبور في تصريح صحفي إن الخطأ طبيعي خلال مرحلة دمج السجلات، ولا يحتمل أي تأويلات سياسية أو قانونية، داعياً إلى “إعادة تعريف الحالة المدنية للفلسطينيين إلى وضعها الصحيح، وعدم تضخيم الموضوع”.
الداخلية السورية تنفي إصدار أي قرار رسمي
من جهته، نفى مكتب المتحدث باسم وزارة الداخلية السورية، في تصريح خاص لمنصة “تأكد” السورية، صدور أي قرار رسمي يقضي بتغيير صفة “فلسطيني سوري” إلى “فلسطيني مقيم”، أو استبدال خانة المحافظة بـ”أجنبي”.
وأكدت مصادر حكومية لتلفزيون سوريا أن ما جرى لا يتعدى كونه خللاً تقنياً في السجلات المدنية.
ورغم التطمينات الرسمية، يرى حقوقيون ومثقفون فلسطينيون أن ما حدث، سواء أكان خطأ أم لا، يكشف عن ثغرات خطيرة في إدارة السجلات المدنية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين، ويستدعي وقفة جادة لحماية هويتهم القانونية والتاريخية. وبينما تُعزى بعض التفسيرات إلى خلل فني عابر، إلا أن اتساع الظاهرة وتكرارها في عدة محافظات يحوّلها إلى مصدر قلق وجودي يستدعي معالجة سريعة وحاسمة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY