Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

طمس للتاريخ والهوية…الاحتلال يحول المسجد العمري بغزة لكومة من الركام

لم تسلم الذاكرة التاريخية والثقافية للشعب الفلسطيني من المحو والطمس المنهجي على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، حيث امتد القصف ليطال كل ما يمت بصلة للهوية والحضارة، بما في ذلك المساجد والمخطوطات والمكتبات التاريخية التي شكلت عبر قرون ذاكرة جمعية للمدينة وسكانها.

ففي البلدة القديمة وسط مدينة غزة، حيث تتجاور الآثار الإسلامية والمسيحية وتتعانق الأسواق التاريخية، حولت الروبوتات المتفجرة المسجد العمري الكبير – ثالث أكبر مسجد في فلسطين بعد المسجد الأقصى ومسجد أحمد باشا الجزار في عكا – إلى كومة من الركام، في جريمة وصفتها أوساط ثقافية بأنها “اعتداء على ذاكرة الأمة”.

المسجد العمري.. قلب غزة التاريخي

يقع المسجد العمري في قلب حي الدرج جنوب شرق ساحة فلسطين، بمحاذاة سوق القيسارية (سوق الذهب) وسوق الزاوية الأثري. تبلغ مساحته (4100) متر مربع، منها (1190) مترا مربعا لفناء واسع يتسع لأكثر من ثلاثة آلاف مصلٍّ.

يحمل بنيانه 38 عمودا رخاميا تعكس فن العمارة الإسلامية القديمة، وتحيط به أقواس دائرية، فيما تتوسطه قباب شامخة، ويضم المسجد خمس بوابات تطل على أزقة وأسواق غزة القديمة، ليبقى شاهدا على تعاقب الحضارات في المدينة.

تتميز مئذنته ذات الطراز المملوكي الفريد، بتدرج معماري يبدأ بشكل مربع في نصفها السفلي، ثم مثمن في نصفها العلوي، وتعلوها أربعة مستويات مزدانة بزخارف بديعة.

أقدم مكاتب التاريخ

لم يكن المسجد مجرد صرح ديني فحسب، بل مثل مركزا للعلم والمعرفة؛ حيث يضم إلى كونه ساحة مسجد مكتبة الظاهر بيبرس التي أنشئت على يديه عام 1277م، وأرفدها بأكثر من 20 ألف كتاب في شتى العلوم والآداب، إضافة إلى نحو 187 مخطوطة نادرة.

أبرز هذه المخطوطات “شرح الغوامض في علم الفرائض”، لبدر الدين المرديني، التي نسخت قبل 500 عام، إضافة إلى ديوان “ابن زقاعة” الغزي.

إبادة للتاريخ والهوية

مع بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض المسجد لقصف مباشر أدى إلى انهيار أجزاء واسعة منه في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

لكن الاحتلال لم يكتف بذلك؛ إذ واصل استهدافه في اجتياحاته المتكررة لشرق غزة، قبل أن يعمد مؤخرا إلى تفجيره عبر “روبوتات متفجرة”، ليحوله إلى كومه من الركام.

ويشير مؤرخون إلى أن استهداف المسجد لا ينفصل عن سياسة ممنهجة ترمي إلى طمس الهوية الفلسطينية ومحو معالمها الحضارية والدينية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الذي يحظر الاعتداء على دور العبادة والمواقع التراثية.

مشروع إنقاذ المكتبة

ورغم الدمار الواسع الذي لحق بالمكان إلا أن مؤسسة “عيون على التراث” أطلقت مؤخرا مشروعا لإنقاذ المخطوطات والوثائق من تحت ركام المسجد، رغم المخاطر الأمنية المحدقة بالمكان، حيث شرع فريق متخصص بجمع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأوراق والكتب والمخطوطات التاريخية.

وتشير المؤسسة أن حالة المخطوطات يرثى لها، حيث استطاع فريق البحث جمع 123 مخطوطة من أصل 228، كانت تحتضنها المكتبة قبل السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

كما تشير المؤسسة أنها تمكنت من تجميع مجموعة من الأوراق المتفرقة “أوراق الدشت”، وعددها 38 مجموعة من أصل 78 مجموعة.

وتجري عملية إنقاذ المخطوطات وفقا لمديرة المؤسسة حنين العمصي، على عدة مراحل أولها جمعها من تحت الركام، ثم إسعافها من خلال ترميمها وإزالة الرطوبة والعفن عن سطحها ولصق الممزق منها بصمغ خاص، ثم نسخها مجددا وتبويبها وترقيمها.

وتشنّ قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي مطلق، حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلّفت، 64 ألفًا و756 شهيدًا، بالإضافة إلى 164 ألفًا و 59 جريحًا، وأكثر من 9 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة المئات، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قسري وسط دمار شامل.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY