Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

سنواتٌ مؤجلة خلف القضبان.. اعتقالات الاحتلال تعطل مستقبل طلبة الجامعات الفلسطينية

بينما كان زملاؤه يحتفلون بارتداء أثواب التخرج واستلام شهاداتهم الجامعية، كان الطالب في جامعة النجاح بمدينة نابلس عماد الدين راجي (26 عاما) يقبع خلف قضبان السجون الإسرائيلية، يتنقل بين غرف التحقيق والزنازين وأوامر الاعتقال الإداري. وعندما خرج بعد نحو عامين، لم يجد نفسه أمام وظيفة أو بداية حياة مهنية، بل عاد إلى قاعة المحاضرات لإكمال ما تبقى من فصله الدراسي الأخير، مع طلبة يكبرهم بست سنوات على الأقل، بعدما سرق الاعتقال سنوات من عمره الجامعي.

يروي الطالب راجي، أن أول اعتقال له كان في آب/أغسطس 2021، حين اقتادته قوات الاحتلال إلى مركز تحقيق “بيتاح تكفا”، حيث أمضى شهراً كاملاً في التحقيق، تنقل خلاله بين عدة سجون، بينها قسم “العصافير” في سجن مجدو وسجن عسقلان.

ويقول إن التحقيق تركز بصورة رئيسية على نشاطه الطلابي داخل أروقة الجامعة، قبل أن ينهي الاحتلال اعتقاله الأول بعد نحو ستة أشهر.

لكن التجربة لم تكن الأخيرة، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2024 أعيد اعتقاله، ولم يلبث أن حُوِّل إلى الاعتقال الإداري، ليبقى محتجزاً قرابة عشرين شهراً، خضع خلالها لخمسة أوامر تمديد متتالية، قبل الإفراج عنه في أيار/مايو 2026.

ويضيف أن الاعتقال جاء في الفصل الأخير من دراسته بتخصص التاريخ، ما أدى إلى تأخير تخرجه، وحرمه أيضاً من التقدم لامتحانات التوظيف الخاصة بوزارة التربية والتعليم، بعدما كان يستعد لبدء حياته العملية معلماً.

ولا تختلف قصة زميله أسامة أبو العون الذي التحق بكلية الهندسة عام 2019، كثيراً عن سابقتها، إذ تحولت سنواته الجامعية إلى محطات متقطعة بين الاعتقال والإفراج.

ويقول إن المشكلة لم تكن في مدة الاعتقال فقط، بل في توقيته، إذ كان يُفرج عنه غالباً بعد انتهاء فترة التسجيل الجامعي، فيضطر إلى الانتظار أشهراً إضافية حتى يبدأ فصلاً جديداً.

ويضيف: “في كل مرة كنت أخرج فيها من السجن، أشعر وكأنني أعود إلى نقطة البداية، فيما كان زملائي يواصلون طريقهم نحو التخرج، بينما بقيت أنا أدور في الحلقة نفسها”.

وتعكس هاتان القصتان جانباً من واقع يعيشه مئات الطلبة الفلسطينيين، الذين لم يعد طريقهم إلى الجامعة يمر فقط عبر قاعات الدراسة، بل بات يمر أيضاً عبر مراكز التحقيق والسجون، في مشهد جعل الاعتقال أحد أبرز أسباب تعطيل المسيرة التعليمية في الأراضي الفلسطينية.

ووفق معطيات وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، فقد استشهد في الضفة الغربية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى السابع من تموز/يوليو 2026، 39 طالباً جامعياً، وأصيب أكثر من 283 طالباً، فيما اعتقلت قوات الاحتلال أكثر من 492 طالباً جامعياً.

ولم تقتصر حملات الاعتقال على الطلبة الذكور، بل شملت أيضاً طالبات جامعيات وناشطين في الكتل والأطر الطلابية داخل عدد من الجامعات الفلسطينية، أبرزها جامعات النجاح الوطنية، وبيرزيت، والخليل.

ففي جامعة بيرزيت، شهدت الحركة الطلابية خلال السنوات الأخيرة حملات ملاحقة واعتقالات متكررة استهدفت أعضاء الكتل الطلابية وممثليها، فيما طالت الاعتقالات في جامعة الخليل عدداً من الطلبة الناشطين، ليصبح النشاط النقابي والطلابي سبباً إضافياً للملاحقة.

وكانت جامعة النجاح الوطنية قد شهدت في كانون الأول/ديسمبر 2023 اعتصاماً طلابياً شاركت فيه مختلف الكتل الطلابية بالشراكة مع مجلس اتحاد الطلبة، احتجاجاً على مطالب طلابية تتعلق بالأوضاع الجامعية.

ورغم الضغوط التي تعرض لها المعتصمون، وتهديدات تلقوها من ضابط المخابرات الإسرائيلي المسؤول عن ملف الجامعة، واصلوا اعتصامهم داخل الحرم الجامعي.

لكن فجر ذلك الاعتصام انتهى باقتحام قوات خاصة إسرائيلية للجامعة مطلع كانون الثاني/يناير 2024، مدعومة بنحو 25 آلية عسكرية، قبل أن تعتقل 25 طالباً، بينهم رئيس مجلس اتحاد الطلبة وعدد من أعضائه وممثلي الكتل الطلابية.

ويرى متابعون أن سياسة استهداف الحركة الطلابية لم تعد تقتصر على الاعتقالات الفردية، بل أصبحت تستهدف البنية التنظيمية للعمل النقابي داخل الجامعات، بما ينعكس على الحياة الأكاديمية والتمثيل الطلابي.

ولا يقف أثر الاعتقال عند حدود الحرمان من الحرية، بل يمتد إلى خسارة سنوات دراسية، وتأخير التخرج، وضياع فرص العمل، وتبدد الخطط المهنية التي رسمها الطلبة لأنفسهم قبل دخولهم السجن.

فبينما يحتفل كثير من الطلبة بإكمال دراستهم والانطلاق نحو سوق العمل، يجد المعتقلون المحررون أنفسهم مطالبين بالعودة إلى مقاعد الدراسة من جديد، لاستكمال فصول دراسية انقطعت قسراً، في رحلة أكاديمية تتحول مع كل اعتقال إلى بداية جديدة، فيما تستمر سنوات العمر في المضي خارج أسوار السجن والجامعة معاً.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY