Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

خبير عسكري لـ”قدس برس”: “طوفان الأقصى” ” أسقط فرضية الأمن الإسرائيلي المطلق

لم تقتصر تداعيات عملية “طوفان الأقصى”، التي وقعت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، على إحداث تحول عسكري في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بل أطلقت، وفق قراءة استراتيجية، مساراً أوسع لإعادة تشكيل البيئة الأمنية والإقليمية في غرب آسيا، عبر إعادة اختبار منظومة الردع، وتعدد ساحات المواجهة، وتزايد ارتباط الصراع الفلسطيني بالحسابات الإقليمية والدولية.

ويرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية والخبير العسكري، العميد الركن نضال زهوي، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أن “طوفان الأقصى” شكّل “صدمة استراتيجية” تجاوزت حدود الاختراق الأمني أو العسكري، بعدما أعادت العملية طرح أسئلة جوهرية حول حدود التفوق العسكري والتكنولوجي والاستخباري الإسرائيلي، وقدرة منظومة الردع على منع المفاجأة أو التحكم بمسار الصراع.

ويقول زهوي إن أهمية الصدمة التي أحدثتها العملية لا ترتبط فقط بحجم الهجوم، وإنما بقدرتها خلال فترة زمنية قصيرة على إحداث خلل متزامن في عدد من وظائف المنظومة الأمنية الإسرائيلية، بما في ذلك الإنذار والاستطلاع والقيادة والسيطرة وحماية الحدود والاستجابة السريعة، الأمر الذي أظهر أن امتلاك التكنولوجيا والمعلومات لا يعني بالضرورة القدرة على تحويلها إلى إنذار فعال أو اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.

سقوط فرضية الأمن المطلق

ويشير الباحث إلى أن منظومة الأمن الإسرائيلية قامت بدرجة كبيرة على افتراض أن التفوق النوعي في التكنولوجيا والاستخبارات والمراقبة والدفاع قادر على تقليص احتمالات التعرض لمفاجأة استراتيجية واسعة.

لكن “طوفان الأقصى”، وفق زهوي، أظهر أن التكنولوجيا لا تلغي عنصر المفاجأة، وأن كثافة المعلومات لا تكفي وحدها لمنعها، خصوصاً عندما يتمكن الخصم من الحفاظ على سرية التخطيط، وإخفاء النوايا، واستغلال الثغرات الموجودة في المنظومة الأمنية.

ويرى أن النتيجة الاستراتيجية الأهم هنا تتمثل في أن الأمن لا يتحقق بمجرد امتلاك وسائل متقدمة لاكتشاف التهديد، وإنما يرتبط أيضاً بالقدرة على تفسير المعلومات واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

ومن هذه الزاوية، يلفت زهوي إلى أن العملية أحدثت أزمة في مصداقية الردع الإسرائيلي، لأن الردع لا يقوم فقط على امتلاك القدرة على إلحاق الضرر بالخصم، وإنما على إقناعه بأن استخدام القوة لن يحقق أهدافه أو أن كلفته ستكون أعلى من قدرته على تحملها.

ويضيف أن الحرب التي تلت العملية تضمنت، إلى جانب أهدافها العسكرية، محاولة لاستعادة صورة القوة والقدرة على الحماية.

الردع غير المتكافئ

ويعتبر الباحث أن الحرب أبرزت كذلك أهمية ما يمكن تسميته “الردع غير المتكافئ”، إذ لا يحتاج الطرف الأضعف عسكرياً إلى امتلاك قدرات مساوية للطرف الأقوى حتى يتمكن من التأثير في قراراته.

ويكفي، بحسب قراءته، أن يمتلك وسائل قادرة على رفع كلفة الحرب، أو منع تحقيق بعض أهداف الخصم، أو إطالة أمد المواجهة، أو الحفاظ على جزء من قدرته القتالية رغم التفوق الناري للطرف الآخر.

ويشدد، في المقابل، على أن ذلك لا يعني تساوي موازين القوة، وإنما يعني أن الفارق في القدرات العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى فارق مماثل في القدرة على التأثير في القرار الاستراتيجي.

الدور الأميركي واتساع الصراع

ويرى زهوي أن قراءة التحولات التي أحدثتها الحرب لا تكتمل من دون التوقف عند الدور الأميركي، باعتبار أن الدعم العسكري والسياسي الأميركي لـ”إسرائيل”، وتعزيز الانتشار العسكري في المنطقة، وحماية المصالح والقوات والملاحة، كلها عوامل أصبحت جزءاً من الحسابات المرتبطة بالحرب.

ويطرح هذا الواقع، وفق الباحث، سؤالاً حول مدى ارتباط منظومة الردع الإسرائيلية بالقدرة الأميركية على التدخل، معتبراً أن اتساع الدور الأميركي يؤدي في الوقت نفسه إلى توسيع دائرة الحسابات الاستراتيجية، بحيث لا تبقى المواجهة مرتبطة فقط بـ”إسرائيل” والفاعلين الفلسطينيين، وإنما تصبح متصلة بمصالح وحسابات قوى إقليمية ودولية أوسع.

ويؤكد زهوي أن النتيجة الأبرز التي يمكن استخلاصها من مسار الحرب تتمثل في إعادة تعريف مفهوم القوة نفسه.

فالقوة، وفق قراءته، لا تكتسب قيمتها الاستراتيجية من حجمها فقط، وإنما من الوظيفة التي تستطيع أداءها داخل منظومة الصراع. وقد تكون قوة محدودة قادرة على تعطيل وظيفة استراتيجية كبيرة، كما يمكن لجبهة محدودة جغرافياً أن تفرض على خصمها إعادة توزيع قوات وموارد كبيرة، أو يمكن لاستهداف ممر بحري أن ينتج تداعيات اقتصادية تتجاوز بكثير حجم القوة المستخدمة.

وبالتالي، يصبح السؤال الاستراتيجي، بحسب زهوي، ليس فقط: “من يمتلك القوة الأكبر؟”، وإنما: من يستطيع توظيف موارده وساحاته المختلفة بطريقة تؤثر بصورة مستدامة في قدرة الخصم وإرادته وقراره السياسي؟

جنوب لبنان.. جبهة لإعادة توزيع القوة

ويرى زهوي أن جنوب لبنان تحوّل بعد “طوفان الأقصى” إلى إحدى الساحات الأساسية في إعادة توزيع القوة الإسرائيلية، إذ لم يعد وجود جبهة لبنانية مرتبطاً فقط بحجم العمليات العسكرية المباشرة، وإنما بما تفرضه هذه الجبهة من إبقاء جزء من القوات والوسائط الاستخبارية والدفاعية الإسرائيلية في حالة جاهزية على الحدود الشمالية.

وكان زهوي قد أشار في قراءات سابقة إلى أن أحد الأهداف الإسرائيلية من التصعيد في الجنوب يتمثل في محاولة فصل مسار غزة عن بقية الجبهات وإعادة المستوطنين إلى الشمال.

وبحسب هذا المنظور، فإن قيمة الجبهة اللبنانية لا تقاس فقط بالخسائر التي تلحقها بـ”إسرائيل”، وإنما بقدرتها على إجبارها على توزيع مواردها العسكرية بين أكثر من اتجاه، وبالتالي الحد من قدرتها على تركيز كامل قوتها في قطاع غزة. كما أن استمرار المواجهة في الجنوب جعل الحدود الشمالية جزءاً من الحسابات الإسرائيلية المتعلقة بالردع والاستنزاف وإدارة الجبهة الداخلية.

اليمن.. الجغرافيا البحرية تتحول إلى أداة استراتيجية

أما اليمن والبحر الأحمر، فيقدمهما زهوي بوصفهما نموذجاً واضحاً على التحول في وظيفة الجغرافيا داخل الصراع؛ فالأهمية الاستراتيجية لهذه الساحة لا ترتبط بموقعها من مركز المواجهة الفلسطينية فقط، وإنما بقدرتها على التأثير في الملاحة والتجارة والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

ومن هذا المنطلق، فإن التأثير في باب المندب والبحر الأحمر يمكن أن ينتج تداعيات اقتصادية وأمنية تتجاوز بكثير حجم القوة المستخدمة في الميدان، ويحوّل منطقة جغرافية بعيدة نسبياً عن غزة إلى جزء من المعركة الأوسع.

ويشير ذلك، وفق قراءة زهوي، إلى أن الجبهات الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى الاشتباك المباشر مع المركز الرئيسي للحرب حتى تؤدي وظيفة استراتيجية؛ فقد يكون التأثير في ممر حيوي كافياً لرفع كلفة الحرب وإدخال أطراف دولية إضافية في حساباتها.

العراق.. جبهة ضغط على الوجود الأميركي

وفي العراق، يندرج المشهد، وفق رؤية زهوي، ضمن نموذج تعدد ساحات الضغط الذي جعل الحرب تتجاوز المواجهة الفلسطينية-الإسرائيلية المباشرة.

فوجود القوات والمصالح الأميركية في العراق وسوريا جعل أي تصعيد في هذه الساحة مرتبطاً بصورة أوسع بالحسابات الأميركية في المنطقة.

وبذلك، لا تصبح أهمية الساحة العراقية في كونها جبهة مواجهة تقليدية مع “إسرائيل”، وإنما في قدرتها على التأثير في الانتشار الأميركي وحسابات حماية القوات والمصالح الأميركية، وبالتالي إدخال الولايات المتحدة بصورة أكبر في معادلة إدارة الصراع الإقليمي.

وينسجم ذلك مع طرح زهوي حول انتقال الحرب من جبهات جغرافية منفصلة إلى شبكة مترابطة من نقاط الضغط، بحيث يمكن لحدث في ساحة بعيدة أن يفرض تداعيات على الساحة الرئيسية.

إيران.. مستوى استراتيجي يتجاوز الجبهات المباشرة

أما إيران، فيضعها زهوي في مستوى مختلف عن بقية الساحات، باعتبارها جزءاً من البيئة الاستراتيجية الأوسع التي تتفاعل فيها الحرب الفلسطينية مع حسابات القوى الإقليمية والدولية.

فإيران لا تُقرأ، في هذا السياق، باعتبارها مجرد جبهة إضافية، وإنما بوصفها دولة ذات قدرة على التأثير في شبكة من الساحات والفاعلين والملفات الأمنية والسياسية في المنطقة.

ويرى زهوي أن ارتباط الحرب بالحسابات الأميركية والإيرانية يرفع مستوى الصراع من مواجهة محلية أو إقليمية محدودة إلى بيئة استراتيجية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها اعتبارات الردع والانتشار العسكري والممرات التجارية والطاقة والضغوط السياسية والدبلوماسية.

وبالتالي، فإن أي تطور في العلاقة بين طهران وواشنطن يمكن أن ينعكس على حسابات مختلف ساحات المواجهة، بما يجعل إيران جزءاً من معادلة إدارة الصراع، وليس مجرد طرف بعيد عنها.

ويخلص الباحث إلى أن “طوفان الأقصى” لم يُلغِ التفوق العسكري الإسرائيلي، ولم يؤدِّ إلى تساوي موازين القوة بين أطراف الصراع، لكنه كشف حدود تحويل التفوق العسكري إلى ردع مطلق، وأظهر في المقابل أن إدارة الصراع باتت أكثر ارتباطاً بالقدرة على تحمل الاستنزاف، وإدارة تعدد الجبهات، وحماية الجبهة الداخلية، وتأمين الموارد، وربط القوة العسكرية بالاقتصاد والسياسة والدبلوماسية.

ويرى أن هذه التحولات لا تعني أن نظاماً إقليمياً جديداً قد اكتمل أو أن ملامحه النهائية أصبحت واضحة، لكنها تشير إلى أن البيئة الاستراتيجية التي سبقت السابع من أكتوبر لم تعد كما كانت، وأن الصراع الفلسطيني أصبح قادراً على إنتاج تأثيرات تتجاوز جغرافيته المباشرة، لتطال بنية الأمن الإقليمي وحسابات القوى الدولية.

وجاءت عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لتفتح مرحلة جديدة في مسار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، بعدما انتقلت المواجهة من إطارها التقليدي إلى حرب واسعة امتدت تداعياتها إلى ساحات إقليمية متعددة.

وأطلقت “كتائب القسام” الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، يو السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 عملية “طوفان الأقصى” بهجوم واسع استهدف مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وتم خلاله أسر عدد من جنود الاحتلال ومجنديه ونقلهم إلى القطاع.

وجاءت العملية في سياق عقود من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007.

وأعقب العملية شنّ “إسرائيل” حرب إبادة غير مسبوقة على قطاع غزة، مازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات، وترافقت مع قصف وعمليات عسكرية واسعة وحصار وتهجير جماعي وتدمير واسع للبنية التحتية. وبحسب بيانات وزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 73 ألف فلسطيني في القطاع، فيما خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة إلى أن السلطات والقوات الإسرائيلية ارتكبت أفعالًا ترقى إلى الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.

ويذكر أن وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، قد دخل حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

ولكن يواصل جيش الاحتلال خروقاته اليومية لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، والتي تشمل القصف وإطلاق النار واستهداف الفلسطينيين في مناطق متفرقة من القطاع، ما يؤدي إلى سقوط شهداء وجرحى رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

وقالت وزارة الصحة أن حصيلة الشهداء منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في 11 تشرين الأول/ أكتوبر 2025 ارتفعت إلى 1,462 شهيدًا، فيما بلغ عدد الإصابات 5 آلاف و151 إصابة، إلى جانب انتشال جثامين 836 شهيدًاً.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY