Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

حواجز الاحتلال العسكرية تثقل كاهل الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم اليومية

لم تعد المسافة وحدها هي التي تحدد الوقت اللازم للوصول إلى مكان ما في الضفة الغربية؛ فبوابة مغلقة، أو حاجز مفاجئ، أو ساتر ترابي، قد يحوّل طريقًا قصيرًا إلى رحلة طويلة، ويجعل الوصول إلى العمل أو الجامعة أو المستشفى معركة يومية مع الوقت والانتظار.

وخلال عام 2026، بلغ عدد الحواجز ونقاط الإغلاق والعوائق المرصودة في الضفة الغربية 942 عائقًا، بينها 824 حاجزًا ونقطة إغلاق ثابتة، و118 عائقًا خطيًا من السواتر والخنادق وحواجز الطرق، فيما تمتد العوائق الخطية لمسافة تقارب 107.7 كيلومترات.

ولا تقف هذه الشبكة عند هذا الحد؛ ففي الشهرين الماضيين أضيفت 13 بوابة وحاجزًا ثابتًا، بينها 10 في محافظة جنين، ليرتفع عدد نقاط الإغلاق الثابتة فيها من 16 إلى 26 نقطة.

وبينما تبدو المسافات بين مدن الضفة وبلداتها قصيرة على الخريطة، يعيش الفلسطينيون واقعًا مختلفًا؛ فموظف يسكن في نابلس شمالي الضفة الغربية، ويعمل في رام الله (وسط) قد يخسر ساعات من يومه على الطرق والحواجز، وطالبة تسكن في بلدة بيتا جنوب نابلس قد تحتاج إلى ساعتين للوصول إلى جامعتها، رغم أن الرحلة في الظروف الطبيعية لا تستغرق أكثر من دقائق.

أربع ساعات تضيع على الطريق

بالنسبة إلى أنس عبد الجليل، الموظف الذي يتنقل يوميًا بين نابلس ورام الله منذ أكثر من عشرة أعوام، أصبحت الحواجز جزءًا ثابتًا من حياته، بما تحمله من انتظار وتفتيش وإجراءات مهينة وقلق دائم من أن يطول الطريق دون سابق إنذار.

يقول عبد الجليل لـ”قدس برس” إن الحواجز تسرق منه يوميًا ما لا يقل عن أربع ساعات في أفضل الأحوال؛ وقت لا يضيع في الطريق وحده، بل في طوابير الانتظار وإجراءات التفتيش التي قد تمتد لساعات، من دون أن يعرف المسافر مسبقًا متى سيتمكن من مواصلة طريقه.

وعلى مدار أكثر من عقد، لم تعد المشكلة بالنسبة إليه مجرد تعب عابر يمكن احتماله، بل تحولت إلى نمط حياة فرض عليه أن يعيد حساباته باستمرار.

وفكر عبد الجليل في الانتقال للسكن في رام الله، بالقرب من مكان عمله، للتخلص من الرحلة اليومية الطويلة، لكنه اصطدم بعائق آخر يتمثل في ارتفاع تكاليف السكن والمعيشة، ليجد نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: إما أن يدفع من وقته وراحته ثمن التنقل اليومي، أو يتحمل أعباء مالية إضافية للعيش بالقرب من مكان عمله.

ولا تتوقف الخسارة عند الإرهاق الجسدي؛ فالموظف الذي يقضي ساعات طويلة في الطريق يخسر جزءًا من وقته مع أسرته ووقت راحته، وتتقلص قدرته على ممارسة حياته الاجتماعية بصورة طبيعية.

“محاضرة الثامنة”.. موعد لا تضمنه الطالبة

وعلى بعد بضعة كيلومترات فقط من نابلس، تعيش الطالبة الجامعية منى خضر تجربة مشابهة، لكن من بوابة التعليم.

خضر، وهي طالبة في سنتها الثالثة في تخصص العلوم بجامعة النجاح الوطنية، تسكن في بلدة بيتا جنوب نابلس. وتقول إنها لا تذكر أنها تمكنت خلال العامين الماضيين من حضور محاضرة تبدأ عند الساعة الثامنة صباحًا في موعدها.

تخرج من منزلها عند السادسة والنصف صباحًا، ومع ذلك لا تصل إلى الجامعة إلا بعد ساعتين على الأقل، في حين أن المسافة بين بيتا ونابلس لا تحتاج في الظروف الطبيعية إلى أكثر من نحو ربع ساعة.

وتختصر تجربة خضر مفارقة يعيشها الفلسطينيون في الضفة الغربية: المسافة القصيرة لا تعني بالضرورة طريقًا قصيرًا.

فالطالبة التي يفترض أن تنشغل بموادها الدراسية وامتحاناتها ومحاضراتها، تجد نفسها مضطرة إلى التخطيط ليومها وفق احتمالات الطريق، ووضع وقت إضافي في حساباتها لا علاقة له بالدراسة، وإنما بانتظار الحواجز والإجراءات العسكرية.

ومع مرور الوقت، يصبح التأخير المتكرر أكثر من مشكلة لوجستية؛ إذ يؤثر في انتظام العملية التعليمية وقدرة الطلبة على الاستفادة الكاملة من المحاضرات والأنشطة الجامعية، ويجعل الوصول إلى الجامعة مرتبطًا بظروف لا يملكون السيطرة عليها.

الحاجز كأداة للسيطرة على الوقت

تكتسب شهادتا عبد الجليل وخضر دلالتهما من أن الحواجز لا تعطل حركة الأشخاص فحسب، بل تعيد تنظيم علاقة الفلسطيني بالمكان والوقت.

فالموظف لا يستطيع تحديد موعد عودته إلى منزله، والطالب لا يستطيع ضمان الوصول إلى محاضرته، والعامل أو التاجر يواجه صعوبة في ضبط مواعيد عمله، بينما تضطر الأسر إلى إعادة ترتيب تفاصيل حياتها وفق احتمالات فتح الطرق وإغلاقها.

وفي قرى وبلدات نابلس، تتداخل هذه القيود مع عوامل أخرى تزيد صعوبة الحركة، بينها الطرق الاستيطانية والمناطق العسكرية والإغلاقات التي تقيد وصول السكان إلى أراضيهم ومصادر رزقهم. وتظهر تقارير محلية سابقة أن سكان قرى جنوب نابلس واجهوا، إلى جانب اعتداءات المستوطنين، قيودًا متزايدة على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه.

وفي بعض المناطق، لا تتوقف آثار هذه الإجراءات عند الحركة، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي؛ فالقيود على الوصول إلى الأراضي تعني صعوبة استثمارها، فيما تؤدي صعوبة التنقل بين المدن إلى زيادة الكلفة والوقت اللازمين لإنجاز الأعمال ونقل البضائع والخدمات.

وهكذا يصبح الحاجز جزءًا من معادلة اقتصادية واجتماعية أوسع، لا مجرد منشأة أمنية على الطريق.

مدن قريبة.. وحياة متباعدة

أحد أكثر جوانب منظومة الإغلاق قسوة أنها تعيد تعريف المسافة في الضفة الغربية.

فالمسافة بين بيتا ونابلس يمكن قطعها خلال دقائق في الظروف الطبيعية، لكنها بالنسبة إلى منى خضر تعني مغادرة المنزل قبل المحاضرة بساعة ونصف على الأقل، ثم انتظار الوصول إلى الجامعة لنحو ساعتين.

أما بالنسبة إلى عبد الجليل، فإن الطريق بين نابلس ورام الله تعني خسارة أربع ساعات يوميًا في أفضل الظروف.

وبذلك لا يعود الزمن ملكًا للفلسطيني بالكامل؛ إذ يمكن للحاجز أن ينتزع منه ساعة أو ساعتين أو أكثر، دون أن يكون قادرًا على معرفة المدة التي سيحتاجها قبل بدء رحلته.

ومع تكرار ذلك، تتحول القيود إلى ضغط نفسي دائم، يدفع بعض الفلسطينيين إلى تغيير مكان السكن أو العمل، فيما يضطر آخرون إلى تحمل واقع مرهق لا يملكون القدرة الاقتصادية على تغييره.

أكثر من نقطة تفتيش

الجانب الأعمق في قصة الحواجز أنها لا تقطع الطرق فقط، وإنما تتسلل إلى القرارات الشخصية اليومية للفلسطينيين.

أنس يفكر في السكن بعيدًا عن مدينته وعائلته حتى يقترب من مكان عمله، ومنى تضطر إلى مغادرة منزلها قبل وقت طويل من بدء محاضرتها، وآلاف غيرهما يضطرون إلى بناء يومهم على قاعدة واحدة: لا تثق بالمسافة، وثق فقط باحتمال أن يتأخر الطريق.

وفي هذا الواقع، تصبح حرية الحركة مرتبطة بإجراءات الاحتلال، ويتحول الوصول إلى العمل والتعليم والأسرة والخدمات من أمر طبيعي إلى عملية تحتاج إلى تخطيط مسبق وقدرة على تحمل الانتظار.

لذلك، فإن الحاجز في التجربة الفلسطينية لا يمكن اختزاله في الإسمنت والجنود والأسلاك؛ إنه حاضر في الساعة التي يضبط فيها الموظف منبه هاتفه، وفي اللحظة التي تخرج فيها الطالبة من منزلها، وفي القلق الذي يرافقهما طوال الطريق.

فالمشكلة ليست أن الطريق بين نابلس ورام الله طويلة، ولا أن بيتا بعيدة عن نابلس؛ المشكلة أن الاحتلال يجعل الطريق القصيرة طويلة، ويحوّل الوقت المهدور إلى جزء من الحياة اليومية، والتنقل إلى حق غير مضمون.

شبكة تغلق الطريق وتفتح المعاناة

وبحسب أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”، وُثّق 925 عائقًا دائمًا أو متقطعًا للحركة في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، حتى كانون الأول/ديسمبر 2025.

وتؤثر هذه العوائق في حركة نحو 3.4 ملايين فلسطيني، بزيادة 43% عن المتوسط السنوي المسجل خلال العقدين الماضيين، والبالغ 647 عائقًا.

وتضم الشبكة 89 حاجزًا مأهولًا على مدار الساعة، و218 حاجزًا جزئيًا، و232 بوابة طرق، و114 إغلاقًا خطيًا، و167 ساترًا ترابيًا، و105 حواجز طرق.

كما وثقت “أوتشا” إقامة أكثر من 120 بوابة طرق جديدة خلال عام 2025، فيما تعرقل 459 عائقًا على الأقل الوصول بين البلدات والقرى الفلسطينية والطرق الرئيسية، بينما تطال القيود الوصول إلى الأراضي الزراعية في ما لا يقل عن 20% من الحالات الموثقة.

وبهذه الصورة، لا تبدو الحواجز مجرد نقاط متفرقة على طرق الضفة، بل شبكة متشعبة تعيد رسم حركة السكان اليومية، وتفرض على الفلسطيني أن يقيس حياته لا بالكيلومترات التي تفصله عن وجهته، وإنما بالساعات التي قد يبتلعها الطريق قبل أن يسمح له بالوصول.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY