Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

تأشيرات عباس تشعل الجدل.. هل تتحول المشاركة الفلسطينية في الأمم المتحدة إلى معركة سياسية وقانونية؟

أعاد قرار الولايات المتحدة عدم منح الرئيس الفلسطيني محمود عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات للمشاركة حضورياً في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، فتح النقاش حول حدود الدور الأميركي في التعامل مع التمثيل الفلسطيني، وما إذا كان القرار يتجاوز كونه إجراءً مرتبطاً بالتأشيرات إلى كونه خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية تتصل بمكانة فلسطين وحضورها في المنظومة الدولية.

وفي وقت يرى فيه الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن واشنطن تسعى إلى تقييد الحضور السياسي الفلسطيني وخفض سقف خطابه ومواقفه أمام المجتمع الدولي، يضع أستاذ القانون والسياسة رائد الدبعي القضية في إطار قانوني أوسع، متسائلاً عن مدى انسجام القرار الأميركي مع التزامات الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، ولا سيما ما يرتبط بحق الوفود المدعوة رسمياً في الوصول والمشاركة في أعمال المنظمة الدولية.

وبين الرؤيتين، تبرز القضية كاختبار جديد لمساحة الحضور الفلسطيني في المحافل الدولية، وحدود العلاقة بين الاعتبارات السياسية والالتزامات القانونية في إدارة هذا الحضور.

قراءة سياسية.. واشنطن تضيق مساحة الحضور الفلسطيني

فبدوره يرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات في حديث خاص لـ”قدس برس”، أن “الولايات المتحدة الأمريكية باتت معنية، بشكل واضح، بإحداث تغيير لا يقتصر على الرواية والسردية الفلسطينية الرسمية أمام العالم، وإنما يمتد إلى محاولة تفريغ المؤسسة الرسمية الفلسطينية والتمثيل السياسي الرسمي من مفهوم الشرعية ومكانته أمام المجتمع الدولي”.

ويقول بشارات، إن “إحدى أبرز دلالات هذا التوجه تتمثل في محاولة المساس بمكانة دولة فلسطين، التي حظيت باعتراف أكثر من 150 دولة حول العالم، ولا سيما في ضوء موجة الاعترافات الدولية الجديدة بدولة فلسطين خلال العام الماضي”.

ويضيف أن “الولايات المتحدة تسعى، في الوقت ذاته، إلى ممارسة ضغوط على الفلسطينيين، وتحديدًا على القيادة السياسية الفلسطينية، لدفعها نحو تقييد مواقفها السياسية تجاه الممارسات والسياسات الإسرائيلية، بحيث لا يكون هناك موقف فلسطيني رسمي منتقد بصورة واضحة لهذه السياسات”.

وبحسب بشارات، فإن “واشنطن تحاول فرض سقف على الخطاب والمواقف الفلسطينية تجاه السلوك الإسرائيلي وممارسات الاحتلال بحق الفلسطينيين، بما يؤدي إلى تضييق مساحة التعبير السياسي والدبلوماسي الفلسطيني على الساحة الدولية”.

ويشير إلى أن “الولايات المتحدة تتولى حاليًا، بصورة مباشرة، مهمة حماية إسرائيل والدفاع عنها أمام المحافل الدولية، في ظل ما يصفه بتزايد الضغوط الدولية على إسرائيل وملاحقتها أمام المؤسسات الرسمية والمجتمع الدولي”.

وفي هذا السياق، يرى بشارات أن “واشنطن تسعى إلى توفير مساحة ومنبر للرواية الإسرائيلية، مقابل الحد من حضور الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية”.

ويربط بشارات بين هذا السياق وبين مسألة مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مقابل عدم تمكن الرئيس الفلسطيني من الحضور بشكل مباشر، موضحًا أن “إمكانية إلقاء كلمة عبر تقنية الاتصال المرئي لا تعادل، من الناحية السياسية والدبلوماسية، الحضور الشخصي والمباشر في أروقة الأمم المتحدة”.

ويعتبر بشارات أن عدم السماح للرئيس الفلسطيني بالحضور المباشر يمثل، من وجهة نظره، تقييدًا لمفهوم الوجود الفلسطيني المباشر داخل المنظومة الدولية، ويعكس رغبة أمريكية في عزل العنوان الرسمي الفلسطيني عن الحضور الفاعل في المحافل الدولية.

ويخلص بشارات إلى أن “هناك خشية أمريكية وإسرائيلية من أن يؤدي الحضور الرسمي الفلسطيني المباشر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى منح فلسطين زخمًا سياسيًا أكبر، ورفع سقف حضورها ومكانتها أمام المجتمع الدولي، وهو ما لا ترغب الولايات المتحدة وإسرائيل في أن يتحقق بهذا المستوى من الحضور والتمثيل الرسمي الفلسطيني”.

قراءة قانونية.. هل تخالف واشنطن التزامات الدولة المضيفة؟

ومن جانبه يرى الكاتب والمحلل السياسي رائد الدبعي في مقال تابعته وحررته “قدس برس”، أن “قرار الولايات المتحدة رفض منح الرئيس محمود عباس والوفد الفلسطيني تأشيرات للمشاركة حضورياً في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد إجراء أميركي يتعلق بالدخول إلى الأراضي الأميركية، بل باعتباره قضية قانونية وسياسية تمس مباشرة التزامات واشنطن بوصفها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة”.

ويستند الموقف الفلسطيني، وفق الدبعي، إلى اتفاق مقر الأمم المتحدة لعام 1947، ولا سيما مواده 11–13، التي تلزم الولايات المتحدة بتسهيل وصول ممثلي الدول والأشخاص المدعوين رسمياً إلى مقر المنظمة، وتحظر استخدام قوانين الهجرة والتأشيرات بطريقة تعرقل مشاركتهم في أعمال الأمم المتحدة. وفلسطين، بموجب قرار الجمعية العامة 67/19، تتمتع بصفة دولة مراقب غير عضو، ورئيسها مدعو للمشاركة في أعمال الجمعية العامة.

أما التذرع بالسيادة الأميركية أو بالقانون الداخلي، فلا ينهي المسألة؛ فالسيادة تُمارس في إطار الالتزامات الدولية، ولا يجوز للدولة الاحتجاج بقانونها الداخلي لتبرير عدم تنفيذ التزام دولي.

كما أن اتفاق المقر يتابع الدبعي يتيح حلولاً أقل تقييداً، بما فيها تأشيرة مقيدة بالعبور والإقامة في مقر الأمم المتحدة ومحيطه، الأمر الذي يطرح تساؤلاً حول ضرورة المنع الكامل إذا كانت الاعتبارات الأمنية هي المبرر الحقيقي.

ويشير الدبعي إلى أن “الموقف الأميركي يصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما تُتاح لوفود دول تربطها بواشنطن خلافات سياسية المشاركة في أعمال الأمم المتحدة مع فرض قيود على حركتها، بينما يُمنع الوفد الفلسطيني من الوصول. وهذا، في رأيه، يستدعي مساءلة قانونية حول اتساق تطبيق قواعد الدولة المضيفة”.

ويرفض الدبعي كذلك ربط المنع بلجوء فلسطين إلى محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية؛ فمحكمة العدل الدولية هي الجهاز القضائي الرئيسي للأمم المتحدة، واللجوء إلى القضاء الدولي يمثل وسيلة سلمية لتسوية المنازعات. كما أن القضية الفلسطينية ليست نزاعاً «مُدوّلاً» حديثاً، إذ هي حاضرة على جدول أعمال الأمم المتحدة منذ عام 1947.

لذلك، لا ينبغي أن يقتصر الرد الفلسطيني على قبول إلقاء كلمة الرئيس عبر الفيديو؛ فالقضية، كما يقول الدبعي، ليست خطاباً بديلاً، وإنما حق في المشاركة والوصول.

ويطالب الدبعي بـ”تحرك متكامل يبدأ بالمطالبة بتأشيرة مقيدة بأعمال الأمم المتحدة، وطلب تدخل الأمين العام ورئيس الجمعية العامة، وتوثيق الموقف قانونياً، وصولاً إلى تفعيل آلية التحكيم المنصوص عليها في المادة 21 من اتفاق المقر، وبحث طلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية”.

ويخلص الدبعي إلى أن “المعركة الحقيقية ليست على مقعد في قاعة الجمعية العامة، بل على مبدأ: هل يجوز للدولة المضيفة أن تستخدم التأشيرة لمنع وفد مدعو رسمياً من المشاركة بسبب مواقفه وتحركاته السياسية والقانونية؟”.

وختم، قائلاً: “قد لا تضمن هذه المواجهة حضور الوفد الفلسطيني، لكنها تستطيع أن تحول قرار المنع إلى قضية دولية تتعلق باحترام القانون الدولي وحياد مقر الأمم المتحدة، وتبقي فلسطين حاضرة في معركة القانون والشرعية الدولية”.

يشار الى أن الإدارة الأميركية رفضت مؤخراً منح الرئيس محمود عباس تأشيرة دخول للمشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تبدأ على مستوى قادة الدول، الجمعة.

وقال مسؤولون فلسطينون، إن السلطة الفلسطينية تلقت جواباً سلبياً بشأن طلبات الحصول على تأشيرات للوفد الرسمي الفلسطيني، بما فيه الرئيس محمود عباس، للدخول إلى الأراضي الأميركية للمشاركة في الاجتماعات.

وكانت الإدارة الأميركية منعت عباس من المشاركة في دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة العام الماضي.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY