بالتزامن مع فتح باب الترشح للانتخابات التشريعية الفلسطينية، تبدو الساحة السياسية أمام مشهد تتداخل فيه الاستعدادات الانتخابية مع أسئلة أكبر تتعلق بموعد الاقتراع، وإمكانات إجرائه في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بصورة متزامنة، وشكل المشاركة الفصائلية والسياسية، ومدى استعداد الشارع الفلسطيني لخوض هذا الاستحقاق بعد سنوات طويلة من غياب الانتخابات التشريعية.
وكانت لجنة الانتخابات المركزية قد أعلنت رسميًا فتح باب الترشح صباح السبت 26 أيلول/سبتمبر، على أن يستمر لمدة 12 يومًا، حتى مساء 7 تشرين الأول/أكتوبر، فيما حُدد الاقتراع العام في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وتُجرى الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي الكامل والقوائم المغلقة، ولا تُقبل طلبات الترشح الفردية.
وضجت مواقع التواصل الاجتماعي بعشرات المنشورات والتعليقات بشأن الانتخابات التشريعية، في ظل تضارب المعلومات حول إمكانية عقدها في موعدها المحدد أو تأجيلها، واستعدادات الفصائل والشارع الفلسطيني لها، خصوصًا بعد دخول العملية رسميًا مرحلة الترشح.
وفي اليوم الأول، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية تلقيها طلبات ترشح لست قوائم، هي: “ائتلاف فلسطين المستقبل”، و”العدالة والبناء”، و”الوحدة والتغيير الديمقراطي”، و”المبادرة الوطنية (د. مصطفى البرغوثي ومستقلون)”، و”مسار جديد”، و”العمل”، مع تأكيدها أن تقديم الطلبات لا يعني اعتماد القوائم نهائيًا قبل استكمال عملية التدقيق القانوني.
لكن بدء استقبال القوائم لم يضع حدًا للأسئلة السياسية المحيطة بالانتخابات، بل ربما زادها حضورًا، في ظل تمسك اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بإجراء الانتخابات في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة بصورة متزامنة، ودعوتها، في اجتماعها يوم 25 أيلول/سبتمبر، إلى حوار وطني شامل، مع مطالبة لجنة الانتخابات بتأمين شروط تنفيذ العملية الانتخابية ومتابعة العقبات التي تواجهها.
صياغة مبهمة
ويرى الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري أن صياغة بيان اللجنة التنفيذية تختلف عن التأكيد المباشر على إجراء الانتخابات في 28 تشرين الثاني/نوفمبر.
ويقول إن البيان “يتمسك بالانتخابات من حيث المبدأ، لكنه يشترط إجراؤها في القدس والضفة وغزة بصورة متزامنة، ويدعو إلى حوار وطني شامل، ويطالب بتأمين شروط تنفيذ الانتخابات”، مع التركيز على العقبات الإسرائيلية والدولية.
وبحسب المصري، فإن هذه الصياغة تترك الباب مفتوحًا أمام أكثر من احتمال، إذ إن الحديث عن “تأمين شروط تنفيذ الانتخابات” يمكن أن يصبح لاحقًا مدخلًا للنقاش بشأن مدى توفر تلك الشروط.
ويشير إلى أن الفارق في الخطاب السياسي بين بيان سابق للجنة التنفيذية، صدر في الأول من آب/أغسطس وتحدث عن الالتزام بالذهاب إلى الانتخابات في مواعيدها، وبيان 25 أيلول/سبتمبر الذي جمع بين الانتخابات والحوار الوطني وشروط التنفيذ والعقبات، يستحق التوقف عنده.
ومع ذلك، لا يعني هذا بالضرورة أن قرارًا بالتأجيل قد اتُخذ، خصوصًا أن لجنة الانتخابات نفسها تؤكد أنها مستمرة في تنفيذ الجدول الزمني المعلن، وأنها جاهزة فنيًا وإداريًا لإجراء الانتخابات. وكانت اللجنة قد أكدت في لقاءات سابقة أن من أبرز التحديات التي تواجه العملية الانتخابية القيود الإسرائيلية على الحركة والوصول، إضافة إلى مسائل إجراء الانتخابات في القدس وقطاع غزة.
شرط القدس وغزة.. عقدة الانتخابات
وتبرز القدس في قلب الجدل السياسي والقانوني، إلى جانب مسألة مشاركة قطاع غزة، إذ تؤكد اللجنة التنفيذية أن الانتخابات يجب أن تشمل المناطق الفلسطينية الثلاث بصورة متزامنة.
وترى الناشطة السياسية ريما نزال، من رام الله، أن السؤال لا يتعلق فقط بما إذا كانت القيادة ما زالت تريد الانتخابات، بل بما إذا كان اعتبار الاقتراع المتزامن في القدس والضفة وغزة شرطًا أساسيًا يمكن أن يفتح، في حال تعذر تحقيقه، نقاشًا حول تأجيل العملية برمتها.
وتشير اللجنة الانتخابية، من جهتها، إلى أنها تخطط لإجراء الانتخابات في الضفة الغربية، بما فيها القدس، وقطاع غزة، فيما تواجه العملية تحديات تتصل بالقيود الإسرائيلية على الحركة والتنقل والوصول.
أما القيادي في الجبهة الشعبية (أحد فصائل منظمة التحرير) زاهر ششتري، من مدينة نابلس شمالي الضفة، فيرى أن كثرة الاجتهادات بشأن موعد الانتخابات تعكس حجم الأسئلة المطروحة في الشارع، لكنه يلفت إلى ما يعتبره قضايا سياسية لم تُحسم بعد، بينها أجندة الحوار الوطني، والانتخابات الرئاسية، ومستقبل المجالس أو الهيئات الانتخابية ذات الصلة بالشتات.
ويقول إن المواطن الفلسطيني أمام “أسئلة كثيرة” تحتاج إلى إجابات واضحة، بما في ذلك العلاقة بين الانتخابات التشريعية والاستحقاقات السياسية الأخرى.
فتح أمام اختبار الوحدة
وفي داخل حركة التحرير الوطني الفلسطيني “فتح”، يبرز موضوع الوحدة التنظيمية باعتباره أحد الملفات التي يتردد صداها بقوة مع اقتراب الانتخابات.
ويربط القيادي في حركة فتح سرحان دويكات نجاح الحركة السياسية الفلسطينية، من وجهة نظره، بقدرة فتح على استعادة وحدتها الداخلية، معتبرًا أن الانقسامات داخل الحركة انعكست على المشهد الفلسطيني الأوسع.
ويدعو دويكات إلى معالجة الانقسامات الداخلية واستيعاب مختلف التيارات والطاقات، بما فيها الشخصيات والقيادات التي خرجت من الأطر التنظيمية خلال السنوات الماضية، معتبرًا أن المرحلة تحتاج إلى قرارات تقود إلى مصالحة داخلية وإعادة بناء الوحدة التنظيمية.
وهذا الطرح يضع الانتخابات أمام سؤال أوسع من مجرد تشكيل القوائم: هل ستعيد الانتخابات إنتاج الاصطفافات القائمة، أم تفتح المجال أمام قوى وشخصيات وتيارات جديدة؟
المواطن يسأل.. والمرشح مطالب بالإجابة
وفي الشارع، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالناشط إياد بيشاوي اختار السخرية السياسية للتعبير عن طبيعة التحديات التي قد تواجه المرشح التشريعي، واضعًا مجموعة من “المواصفات” الساخرة التي يرى أنها تعكس أسئلة المواطن الفلسطيني.
ومن بين هذه المواصفات قدرة المرشح على مواجهة الأسئلة الغاضبة في جولاته الميدانية، والتعامل مع واقع اقتصادي صعب، وتجنب الوعود الكبيرة بشأن الوظائف والمشاريع، إضافة إلى امتلاك إجابات عن ملفات غلاء الأسعار، والبطالة، وتقطيع أوصال الضفة، والانقسام، والأزمة السياسية.
ورغم الطابع الساخر لما يطرحه بيشاوي، فإن رسالته تضع الانتخابات أمام اختبار حقيقي يتعلق بما يريده المواطن من المرشح: هل ستكون المنافسة قائمة على الأسماء والانتماءات، أم على البرامج والحلول والقدرة على تقديم إجابات قابلة للمساءلة؟
وبينما تواصل لجنة الانتخابات إجراءاتها الفنية، يبقى المشهد السياسي مفتوحًا على أسئلة تتجاوز صناديق الاقتراع: شكل الحوار الوطني، ومشاركة مختلف القوى، والانتخابات في القدس وغزة، ومستقبل الانتخابات الرئاسية، ووحدة الفصائل والقوى السياسية.
وفي المحصلة، فإن “فتح” باب الترشح نقل الانتخابات من كونها موعدًا معلنًا إلى عملية سياسية بدأت ملامحها تظهر على الأرض، لكنه لم يُنهِ الجدل حول شروطها ومسارها النهائي.
ومع استمرار تسجيل القوائم، سيبقى السؤال الأكثر حضورًا في الشارع الفلسطيني: هل يتحول هذا المسار الانتخابي إلى اقتراع فعلي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، أم تفرض التطورات السياسية والميدانية مسارًا آخر؟
وهذا السؤال، حتى الآن، لا تملك الإجابة النهائية عنه سوى التطورات المقبلة والقرارات الرسمية التي ستصدر خلال الأسابيع القادمة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY