Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

بعد عامٍ على استشهاده من القناع إلى الرمز.. كيف تشكّلت ظاهرة “أبو عبيدة” الإعلامية؟

لم يكن “أبو عبيدة”، المتحدث باسم “كتائب القسام”، يظهر على الشاشة بوجه مكشوف، كما لم يقدّم للجمهور تفاصيل واسعة عن حياته أو شخصيته. ومع ذلك، تحوّل خلال سنوات ظهوره إلى واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا في المشهد الإعلامي المرتبط بالحرب على غزة.

وبعد عام على استشهاده، تبدو تجربته جديرة بالقراءة، ليس فقط من زاوية الدور الذي أدّاه، وإنما باعتبارها نموذجًا لكيفية تشكّل الرمز الإعلامي في زمن الحرب ووسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يمكن للقناع أن يخفي ملامح الإنسان، لكنه في الوقت نفسه يصنع ملامح شخصية عامة يصعب تجاهلها.

كان اللثام أول ما يلفت الانتباه في ظهور أبي عبيدة؛ وجهٌ مخفي، واسمٌ حركي، وظهور محدود، في مقابل حضور صوتي متكرر.

والمفارقة أن إخفاء الهوية لم يؤدِّ إلى تقليص الحضور الإعلامي، بل أسهم في ترسيخه. فمع تكرار الظهور بالهيئة ذاتها، أصبح القناع جزءًا من هوية الشخصية، وبات الجمهور قادرًا على التعرّف إليه قبل سماع مضمون الخطاب.

وفي غياب الوجه، أصبح الصوت أداة أساسية في بناء الهوية الإعلامية. فالنبرة والإيقاع وطريقة الحديث والمفردات المتكررة، جميعها أسهمت في صناعة شخصية يمكن تمييزها بسهولة.

ومع كثرة إعادة نشر المقاطع، لم يعد الصوت مرتبطًا بالبيان الأصلي فحسب، بل أصبح جزءًا من محتوى رقمي يُعاد إنتاجه وتداوله في سياقات مختلفة.

وبذلك، لم تعد الشخصية بحاجة إلى ظهور دائم كي تبقى حاضرة؛ فقد أصبح الصوت وحده قادرًا على استدعاء الصورة.

ومع مرور الوقت، اكتسب ظهور أبي عبيدة قيمة إعلامية تجاوزت مضمون البيانات التي كان يلقيها، فأصبح الجمهور ينتظر ظهوره، فيما تعاملت وسائل الإعلام مع بياناته باعتبارها مادة خبرية تستحق المتابعة والتحليل.

وهنا تحولت الشخصية من مجرد ناقل للرسالة إلى جزء من الرسالة نفسها؛ ففي الإعلام، لا تتحدد أهمية المتحدث بما يقوله فقط، وإنما أيضًا بقدرته على خلق حالة من الترقب حول ظهوره. وفي هذه النقطة تحديدًا، أسهم تكرار الحضور وثبات الصورة والنبرة في ترسيخ الشخصية داخل الوعي العام.

حضور استثنائي

المحلل والمختص بالشأن الإعلامي، حاتم الهرش، أكد أن أبا عبيدة شكّل حالة استثنائية في الإطار التاريخي لما يُعرف بالإعلام العسكري، مشيرًا إلى أنه رغم كثرة الناطقين الإعلاميين في الحروب والصراعات، لم يُسجّل أن أحدًا منهم حظي بحضور يُداني، فضلًا عن أن يُشابه، حضور أبي عبيدة.

وقال الهرش لـ”قدس برس”: “الواقع يخبرنا، عند استعراض تاريخ الناطقين العسكريين، أن أبا عبيدة بات علامة فارقة؛ لأن أغلب من سبقوه في تاريخ الظهور الإعلامي الحربي في الجيوش والدول لم يحظوا بمثل هذا الحضور. ولذلك، سيصبح تاريخ هذه المهمة أكثر تعقيدًا في عوالم الظهور والنطق الإعلامي العسكري”.

وأضاف أن ما بعد “أبي عبيدة” ليس كما قبله من الناحية السياسية، موضحًا أن الرجل أسّس لحالة مختلفة تمامًا، ستظل علامة فارقة في تاريخ الظهور الإعلامي الحربي.

وتابع أن تأثير أبي عبيدة سيُدرس في مراكز الأبحاث للاستفادة من هذه التجربة التي تحولت إلى ظاهرة، كما سيُدرّس نموذجًا في الأكاديميات العسكرية والإعلامية، باعتباره أيقونة إعلامية تجاوزت الأساليب التقليدية في التعبير الإعلامي.

وأشار الهرش إلى أن ظاهرة “أبي عبيدة” تستمد مركزيتها أساسًا من أمرين؛ الأول، أن مكانة الشخصية ارتبطت بمكانة القضية الفلسطينية ومقاومتها ومركزية حضورها في الوجدان العربي والإسلامي. والثاني، أن حالة الالتفاف الشعبي عربيًا وإسلاميًا كانت أساسًا في إظهار أبي عبيدة بوصفه رمزًا معبّرًا عن هذه الجماهير العريضة في تطلعاتها وأشواقها.

وشدد على أن “أبا عبيدة” لم يكن مجرد شخص يرتدي لثامًا، بل كان معبّرًا عن كل واحد منا، وفق تعبيره، مضيفًا: “كانت الشعوب ترى في أبي عبيدة ذاتها؛ فهو، رغم اللثام، كان مألوفًا وقريبًا من القلب، وإن كان مجهولًا للعدو، فإنه كان معروفًا لدينا”.

وأردف الهرش: “استشهد حذيفة الكحلوت، لكن أبا عبيدة ما زال حاضرًا، بعدما تحولت شخصيته إلى أيقونة لا تموت. ولذلك حمل الناطق العسكري الجديد الاسم ذاته، لأن أبا عبيدة بات شعارًا للمؤسسة والشعب والأمة، فهو أيقونة متجاوزة للتاريخ، وظاهرة معبّرة عن قضية شعب وأمة في مواجهة الاحتلال”.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY