Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

انتخابات البرازيل.. لولا يواجه وريث بولسونارو الداعم لـ”إسرائيل”

تتجه البرازيل، الأحد المقبل، 4 تشرين الأول/أكتوبر، إلى الجولة الأولى من انتخابات رئاسية شديدة الاستقطاب، يتصدرها الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، في مواجهة السيناتور اليميني فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، وسط تقارب واضح بين المرشح اليميني وكل من حكومة الاحتلال الإسرائيلي وإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.

وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى سباق متقارب، مع تقدم لولا في عدد من استطلاعات الجولة الأولى، فيما تظهر سيناريوهات الجولة الثانية تقاربًا شديدًا بينه وبين فلافيو بولسونارو. وأظهر استطلاع “ريال تايم بيغ داتا”، الصادر الخميس، تعادلًا فنيًا بين المرشحين في بعض السيناريوهات، فيما منح استطلاع “كوايست” لولا 39 بالمئة مقابل 34 بالمئة لفلافيو في الجولة الأولى، مع تعادل المرشحين عند 42 بالمئة في سيناريو الجولة الثانية.

وبحسب متوسط مجموعة من أحدث الاستطلاعات البرازيلية، يحتفظ لولا بأفضلية عددية في الجولة الأولى، إلا أن هذه الأفضلية تتقلص في حال الانتقال إلى جولة إعادة، المقررة في 25 تشرين الأول/أكتوبر، إذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من نصف الأصوات الصحيحة في الجولة الأولى.

من جهته، قال الكاتب المختص في الشأن اللاتيني، فيكتوريوس بيان شمس، إن حالة الاستقطاب الحادة التي تشهدها البرازيل ليست جديدة، وإنما تمتد منذ انتخابات عام 2022 التي جمعت لولا دا سيلفا وجايير بولسونارو، مشيرًا إلى أن الانقسام داخل المجتمع البرازيلي لا يرتبط فقط بالمواقف السياسية، بل بمصالح اجتماعية واقتصادية واضحة.

وأضاف، في تصريحات لـ”قدس برس”، أن “الطبقات الفقيرة والمهمشة ترى في لولا دا سيلفا، الذي تعتبر أنه ساعدها خلال ولايتيه السابقتين، طوق نجاة، على الأقل للحد من الفقر، بينما تميل الطبقات الأكثر ثراء والفئات العليا من الطبقة الوسطى بدرجة أكبر نحو التيار البولسوناري”.

وأشار شمس إلى أن البرازيل تشهد “انقسامًا عموديًا” في المجتمع، مضيفًا أن نتائج انتخابات 2022 عكست حجم هذا الاستقطاب، وأن المشهد قد يتكرر في الانتخابات الحالية “بفارق ضئيل جدًا”.

وتكتسب المنافسة الحالية أهمية إضافية مع انتقال إرث “البولسونارية” إلى فلافيو بولسونارو، الابن الأكبر للرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي مُنع من الترشح للانتخابات بعد قرار المحكمة الانتخابية العليا في حزيران/يونيو 2023 بحرمانه من الأهلية الانتخابية لمدة ثماني سنوات، محسوبة من انتخابات 2022، على خلفية إدانته باستغلال السلطة السياسية وإساءة استخدام وسائل الإعلام خلال اجتماع مع سفراء أجانب.

ورغم غياب جايير بولسونارو عن بطاقة الاقتراع، ظل حضوره السياسي بارزًا في حملة نجله، الذي يقدم نفسه امتدادًا مباشرًا لإرث والده السياسي، ويحشد القاعدة المحافظة والإنجيلية التي شكلت ركيزة أساسية لحكم بولسونارو الأب بين عامي 2019 و2022.

وأظهر فلافيو، خلال مؤتمر إطلاق حملته في تموز/يوليو، تسجيلًا مولدًا بالذكاء الاصطناعي لوالده، في رسالة رمزية تؤكد استمرار تأثير الرئيس السابق داخل المعسكر اليميني.

نتنياهو يدخل على خط الحملة

ويبرز الاحتلال الإسرائيلي بوصفه أحد أبرز الأطراف الخارجية الحاضرة سياسيًا في معسكر فلافيو بولسونارو.

فخلال المؤتمر الرسمي لإطلاق ترشح فلافيو في ساو باولو، في 25 تموز/يوليو الماضي، عُرضت رسالة مصورة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، هنأ فيها المرشح بإطلاق حملته، ووصفه بأنه من أبرز المدافعين عن الصداقة بين البرازيل و”إسرائيل”.

ولم يقتصر الأمر على الدعم الرمزي، إذ تبنى فلافيو مواقف مؤيدة للاحتلال، متعهدًا بإعادة العلاقات مع “إسرائيل” إلى أعلى مستوياتها السياسية في حال فوزه، كما أعلن في مناسبات سابقة تأييده نقل السفارة البرازيلية إلى القدس.

ويمثل هذا التوجه امتدادًا لسياسة والده جايير بولسونارو، الذي أقام خلال رئاسته علاقات وثيقة مع نتنياهو، وحوّل البرازيل إلى أحد أكثر حلفاء “إسرائيل” وضوحًا في أمريكا اللاتينية، في قطيعة مع جانب كبير من السياسة البرازيلية التقليدية تجاه القضية الفلسطينية.

وكان بولسونارو الأب قد زار “إسرائيل” خلال فترة رئاسته، وأظهر تقاربًا شخصيًا وسياسيًا مع نتنياهو، كما أثار غضب الفلسطينيين بمواقفه المؤيدة لنقل السفارة إلى القدس، وإن لم ينفذ الخطوة خلال فترة حكمه.

وفي المقابل، تبنت حكومة لولا منذ عودته إلى الرئاسة في 2023 موقفًا مختلفًا، ورفعت مستوى انتقاداتها لحكومة نتنياهو على خلفية الحرب على قطاع غزة، مع استمرار البرازيل في دعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وقال بيان شمس إن حرب غزة تشكل “أحد أهم عناصر” الحضور الإسرائيلي في الانتخابات البرازيلية، مشيرًا إلى أن فلافيو بولسونارو أعلن أنه، في حال وصوله إلى السلطة، سيعمل على انسحاب البرازيل من المسار المرتبط بالدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد “إسرائيل”.

وأضاف أن مثل هذه الخطوة “ستكون مريحة جدًا لبنيامين نتنياهو”، خصوصًا في ظل ما وصفه بحالة العزلة الدولية المتزايدة التي تواجهها “إسرائيل”، لافتًا إلى أن وصول اليمين إلى السلطة في دول أمريكا اللاتينية يمثل بيئة أكثر ملاءمة للحكومة الإسرائيلية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بدولة بحجم وثقل البرازيل.

وأوضح أن “هناك توترًا دبلوماسيًا حادًا بين إسرائيل وحكومة لولا دا سيلفا، ولذلك فإن خروج لولا من المشهد سيكون بالتأكيد تطورًا مريحًا بالنسبة للحكومة الإسرائيلية”، مشيرًا إلى أن التيار البولسوناري يمتلك إرثًا سابقًا من العلاقات الوثيقة مع “إسرائيل”، بدأ في عهد جايير بولسونارو ويتواصل اليوم مع نجله فلافيو.

ورأى شمس أن وصول فلافيو إلى الرئاسة سيعني “إعادة اصطفاف” للسياسة الخارجية البرازيلية باتجاه واشنطن و”تل أبيب”، مشيرًا إلى أن المرشح اليميني تحدث عن إمكانية نقل السفارة البرازيلية إلى القدس، وهي الخطوة نفسها التي سبق أن وعد بها والده دون تنفيذها.

وأضاف أن العلاقات الاقتصادية القوية بين البرازيل والعالم العربي لعبت دورًا في عدم إقدام جايير بولسونارو على نقل السفارة، لكنه اعتبر أن احتمال تنفيذ الخطوة قد يكون أكبر في عهد فلافيو، قائلًا إنه “قد يذهب أبعد مما ذهب إليه والده في العلاقة مع إسرائيل”.

ترامب ومعسكر بولسونارو

أما على الجبهة الأمريكية، فتبدو العلاقة بين فلافيو بولسونارو ومعسكر الرئيس دونالد ترمب أكثر تعقيدًا؛ إذ توجد مؤشرات واضحة على التقارب السياسي بين الطرفين، بالتزامن مع جدل متصاعد في البرازيل حول احتمال وجود تدخل أمريكي في الانتخابات.

وكان ترمب قد استقبل فلافيو بولسونارو في البيت الأبيض في أيار/مايو الماضي، في لقاء أثار اهتمامًا واسعًا داخل البرازيل، خصوصًا مع احتدام السباق الرئاسي. كما حافظت عائلة بولسونارو على علاقات قوية مع دوائر سياسية مؤيدة لترمب في الولايات المتحدة.

وذكرت وسائل إعلام برازيلية أن داخل إدارة ترمب تيارًا يعطي أولوية سياسية لدعم معسكر فلافيو بولسونارو، في مقابل تيار آخر أكثر براغماتية يركز على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الأمريكية في البرازيل، ولا سيما ملف المعادن النادرة والعلاقة مع الصين.

كما اتخذت إدارة ترمب خلال الأشهر الماضية سلسلة خطوات وضعت الولايات المتحدة في قلب النقاش الانتخابي البرازيلي، بينها فرض رسوم تجارية على منتجات برازيلية، وتصريحات لمسؤولين أمريكيين انتقدت حكومة لولا.

وفي المقابل، يرى معسكر لولا أن بعض هذه الإجراءات تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز الخلافات التجارية، وتستهدف الضغط على حكومته لمصلحة خصومه الداخليين.

وأظهر استطلاع “داتا فولها” في تموز/يوليو أن 52 بالمئة من البرازيليين الذين شملهم الاستطلاع اعتبروا الرسوم التي فرضها ترمب على البرازيل محاولة لمساعدة حملة فلافيو بولسونارو، مقابل 37 بالمئة رفضوا هذا التفسير. ويعكس هذا الرقم تصورًا لدى جزء من الرأي العام، ولا يثبت بحد ذاته وجود تدخل أمريكي رسمي في الانتخابات.

كما بعث ثلاثة أعضاء ديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي، نهاية أيلول/سبتمبر، برسالة إلى وزير الخارجية ماركو روبيو، أعربوا فيها عن مخاوف من احتمال تدخل إدارة ترمب في الانتخابات البرازيلية، مشيرين إلى العلاقة مع عائلة بولسونارو والضغوط الاقتصادية التي تعرضت لها حكومة لولا.

لكن ترمب نفسه، في تصريحات أدلى بها الخميس، اكتفى بالقول إنه يتابع الانتخابات البرازيلية “عن قرب”، وإنها انتخابات “مهمة جدًا”، من دون أن يعلن في تلك التصريحات تأييدًا رسميًا لأي مرشح.

وفي هذا السياق، قال بيان شمس إنه لا يرى احتمالًا لانتهاء حالة التقارب بين فلافيو بولسونارو وإدارة ترمب، موضحًا أن المرشح البرازيلي “أعلن بوضوح توجهه السياسي القريب جدًا من الولايات المتحدة، وأظهر استعدادًا واسعًا للتعاون مع الإدارة الأمريكية”.

وأضاف أن الولايات المتحدة، من وجهة نظره، “تستخدم ثقلها السياسي والدبلوماسي في هذه الانتخابات”، مشيرًا إلى أن فلافيو يقدم نفسه منذ البداية باعتباره قريبًا سياسيًا من واشنطن ومن إدارة ترمب تحديدًا.

ورأى بيان شمس أن الدعم الأمريكي والإسرائيلي يمثل رصيدًا لدى القاعدة الانتخابية الصلبة لفلافيو، التي تضم، بحسب تقديره، قطاعات من رجال الأعمال والقطاع الزراعي والكنائس الإنجيلية والمؤسسة العسكرية.

لكنه أشار في المقابل إلى أن شريحة واسعة من البرازيليين تنظر إلى هذا الدعم بوصفه تدخلًا في السيادة الوطنية، وهو ما يسعى لولا إلى استثماره عبر التركيز على “سيادة البرازيل على أرضها وثرواتها وقرارها السياسي”.

وأضاف أن المسألة “تعمل في الاتجاهين”، فما يشكل رصيدًا لفلافيو لدى قاعدته قد يتحول إلى ورقة انتخابية يستخدمها لولا لحشد أنصاره.

ولفت بيان شمس إلى أن طبيعة الاستقطاب البرازيلي تجعل التصويت، في جانب منه، تصويتًا ضد الخصم، وليس بالضرورة تأييدًا كاملًا للمرشح، موضحًا أن هناك ناخبين يدعمون فلافيو أساسًا لمنع لولا واليسار من الوصول إلى السلطة، فيما يصوت جزء من اليسار والفئات المهمشة للولا لمنع عودة التيار البولسوناري.

لولا يحتفظ بالأفضلية.. والحسم مؤجل

ورغم تقدم لولا في غالبية استطلاعات الجولة الأولى، فإن الأرقام لا تشير حتى الآن إلى قدرته على تجاوز حاجز 50 بالمئة المطلوب للحسم المباشر، ما يجعل الانتقال إلى جولة ثانية في 25 تشرين الأول/أكتوبر احتمالًا قائمًا بقوة، دون أن يعني ذلك ضمان النتيجة.

ويخوض لولا الانتخابات طالبًا ولاية رئاسية جديدة، مستندًا إلى قاعدة قوية في ولايات الشمال الشرقي والطبقات الأقل دخلًا، بينما يعتمد فلافيو على الناخبين المحافظين والإنجيليين وعلى الإرث السياسي لوالده، ويتمتع بحضور قوي في مناطق من الجنوب والوسط الغربي.

وتظهر استطلاعات الولايات تقدمًا للولا في شمال شرق البلاد، بينما يتقدم فلافيو في عدد من معاقل اليمين، مع وجود ولايات حاسمة، من بينها ميناس جيرايس وريو دي جانيرو، لا تزال المنافسة فيها متقاربة، فيما تشكل ساو باولو، أكبر كتلة انتخابية في البلاد، ساحة رئيسية للمنافسة.

وتأتي الانتخابات في وقت أصبحت فيه السياسة الخارجية جزءًا من الاستقطاب الداخلي، إذ يقدم لولا نفسه بوصفه مدافعًا عن استقلال القرار البرازيلي وعن العلاقات متعددة الأطراف، مع موقف أكثر تأييدًا للحقوق الفلسطينية، بينما يطرح فلافيو بولسونارو عودة واضحة إلى محور سياسي أقرب إلى الولايات المتحدة في عهد ترمب وإلى حكومة نتنياهو.

ويرى بيان شمس أن خسارة لولا لن تمثل مجرد تداول داخلي للسلطة، بل قد تكون لها انعكاسات على الخريطة السياسية لأمريكا اللاتينية بأكملها، نظرًا إلى حجم البرازيل وثقلها السياسي والاقتصادي.

وقال إن “وصول فلافيو بولسونارو إلى السلطة سيعيد تموضع البرازيل، وبالتالي سيؤثر في تموضع القارة بأكملها”، معتبرًا أن خروج اليسار من الحكم في أكبر دولة بأمريكا اللاتينية ستكون له آثار تتجاوز الحدود البرازيلية.

وأضاف أن المعركة بالنسبة لليسار لا تقتصر على الرئاسة، بل تشمل الحفاظ على حضوره في البرلمان بغرفتيه، وحكومات الولايات وبرلماناتها، لأن خسارة مركز الثقل البرازيلي “سيكون لها تأثير إقليمي أوسع على اليسار في أمريكا اللاتينية”.

وبذلك، لا تبدو انتخابات الأحد مجرد مواجهة بين الرئيس الحالي ونجل رئيس سابق، بل اختبارًا جديدًا لمدى استمرار نفوذ “البولسونارية” بعد منع مؤسسها من الترشح، وللاتجاه الذي ستسلكه أكبر دولة في أمريكا اللاتينية في علاقاتها مع واشنطن و”تل أبيب”، وفي موقفها من القضية الفلسطينية.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY