Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

المياه الأخيرة في المخيم: حين يتحوّل الحق الأساسي إلى معركة يومية للاجئين الفلسطينيين في لبنان

تواجه المخيمات الفلسطينية في لبنان منذ مطلع عام 2026 أزمة مياه غير مسبوقة، تتجلى في تراجع ساعات الضخ وتعطل الآبار وارتفاع نسب التلوث وتفشي الأمراض الجلدية، إلى جانب أعباء مالية تثقل آلاف العائلات. وتظهر فحوص أجرتها مختبرات الجامعة الأميركية في بيروت أن ما بين 60 و65 بالمئة من المياه الواصلة إلى مخيم برج البراجنة غير صالحة للاستخدام، فيما تقترب مخيمات أخرى من الانقطاع الكامل مع نفاد الوقود اللازم لتشغيل الآبار.

“برج البراجنة” .. ملوحة تنهك الإنسان

في الضاحية الجنوبية لبيروت، يعتمد سكان مخيم برج البراجنة على مياه مالحة تتسبب بحساسية الجلد والعينين وتساقط الشعر وتتلف الأدوات المنزلية. وتصل كلفة شراء المياه العذبة إلى نحو 100 دولار شهرياً للأسرة، إضافة إلى 350 ألف ليرة لكل خزان لا يكفي سوى ثلاثة أيام. ولا تعود الأزمة إلى ظرف طارئ، بل تمتد منذ عام 1982 حين توقفت خطوط المياه الرسمية عن دخول المخيم بعد الأحداث الأمنية، فلجأ السكان إلى حفر آبار مالحة تحولت مع الوقت إلى المصدر الوحيد. ويقول الصحفي والناشط مصطفى الأشوح إن مياه المخيم كلها مالحة، وإن الانقطاع قد يستمر عشرين يوماً أو شهراً كاملاً، موضحاً أن الشبكة تعمل فقط عند توفر الكهرباء وتنقطع بانقطاعها.

عين الحلوة… ساعات الانتظار

في مخيم “عين الحلوة” في صيدا جنوب لبنان، خُفضت ساعات تزويد المياه من “بئر المرشد”، وهو المصدر الرئيسي للمخيم، إلى ثلاث ساعات يومياً بعد تقليص “أونروا” كمية الوقود المخصصة لتشغيله إلى أقل من النصف. ويصف أحد السكان الوضع بأنه حالة طوارئ دائمة، مؤكداً أن ثلاث ساعات لا تكفي لتأمين مياه الشرب أو الاستخدام اليومي. ويوضح المتحدث باسم لجان الأحياء فادي محمد العلي أن الكميات التي كانت تتراوح بين خمسة وستة آلاف لتر شهرياً لبعض الآبار تراجعت إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف لتر فقط، ما شل انتظام الضخ.

بعلبك… جفاف وتلوث

في مخيم “الجليل” قرب بعلبك، تتداخل الأزمات بشكل مضاعف. فالبئر الارتوازية الرئيسية ملوثة بنسبة 432 بالمئة ببقايا حيوانية وفق فحوص رسمية، ومصلحة مياه بعلبك لا تنفذ سوى نصف الكمية المتفق عليها. ويعمق التغير المناخي الأزمة مع جفاف ينابيع كانت تعد مصادر ثابتة رغم عمقها الذي يصل إلى 300 متر. ويضم المخيم 650 عائلة فلسطينية و150 عائلة نازحة من سوريا. ورغم إنشاء محطة تكرير عام 2020 بتمويل من المجلس النرويجي للاجئين، تبقى الكميات المنتجة أقل بكثير من الحاجة اليومية.

حين يصبح الماء وباءً

عام 2025، أصيب 18 لاجئاً فلسطينياً بالتهاب الكبد الفيروسي (A) نتيجة تلوث بئرين داخل أحد المخيمات، ما استدعى إيقافهما فوراً. وشكلت الحادثة إنذاراً واضحاً بأن أزمة المياه لم تعد مسألة كلفة أو راحة، بل تهديداً صحياً مباشراً لآلاف العائلات.

مسؤوليات متشظية

يتفق الناشطون على أن جوهر الأزمة يكمن في تشتت المسؤوليات. ويوضح فادي العلي أن الأساس القانوني يحمل “أونروا” مسؤولية إدارة الآبار بالكامل، لكن تراجع قدراتها المالية فرض واقعاً تتوزع فيه الأعباء بين الوكالة ومنظمة التحرير والفصائل والجهات المانحة، ما أدى إلى غياب الشفافية والرقابة.

وتواجه “أونروا” عجزاً متوقعاً يبلغ 220 مليون دولار في 2026 بعد تعليق تمويل من مانحين رئيسيين، ولجأت إلى خفض ساعات العمل والرواتب بنسبة 20 بالمئة، ما أدى إلى نزاع عمل رسمي، فيما تؤكد أنها حافظت على مستوى الخدمات خلال 2025.

أما اللجان الشعبية والفصائل فتعجز عن إصلاح الآبار وتأمين بدائل مستدامة وسط اتهامات بسوء الإدارة، فيما تتوقف خطوط المياه الرسمية عن دخول المخيمات منذ عقود في ظل أزمة مياه عامة في لبنان تصل فيها نسبة الفاقد إلى 50 بالمئة. ويضاف إلى ذلك أثر التغير المناخي الذي خفض معدلات هطول الأمطار بنسبة 30 بالمئة، ما أدى إلى جفاف آبار وينابيع يعتمد عليها سكان البقاع والجنوب.

الاستقرار في الميزان

حذر السفير رامز دمشقية، رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، أمام لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان من أن خفض خدمات “أونروا” يهدد الاستقرار داخل المخيمات وينعكس على الوضع العام في لبنان، داعياً إلى إطار قانوني ينظم وضع اللاجئين. وفي السياق نفسه، بحث وزير الخارجية يوسف رجي مع المفوض العام لأونروا فيليب لازاريني سبل دعم الوكالة، مؤكداً أن وجودها عنصر أساسي في الحفاظ على الاستقرار داخل المخيمات وفي لبنان عموماً.

حين يكون الحل قريباً… ومعطلاً

يروي فادي العلي تجربة لافتة حين تعطّل أحد آبار مخيم “عين الحلوة”، إذ أصدرت لجان الأحياء بياناً يحدد جذور المشكلة ويقترح حلولاً عملية، فاستدعته أونروا في اليوم التالي وجرى تنفيذ المطالب سريعاً. ويرى العلي أن الحلول غالباً ما تكون موجودة وقابلة للتنفيذ، لكن غياب المطالبة الصحيحة وسط حسابات الفصائل والمحسوبيات يجعل أبسط الحقوق معطلاً.

خلاصة: حق أم ترف؟

في مخيمات لبنان، لم تعد المياه خدمة تتأخر أو تتقطع، بل مرآة لمنظومة تتآكل: أونروا تتقلص، اللجان الشعبية عاجزة، الدولة غائبة، والمناخ يزيد العبء. والنتيجة أن اللاجئ الفلسطيني يدفع وحده ثمن هذا الفراغ صحياً ومالياً ونفسياً. ويبقى السؤال كيف يمكن لمجتمع أن يحافظ على تماسكه حين يصبح الحصول على ماء صالح للشرب مهمة يومية مرهقة. ربما آن الأوان لإعادة طرح قضية المياه في المخيمات بوصفها مسألة كرامة إنسانية قبل أي شيء آخر.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY