حين يحلّ الليل في سهل “المسعودية”، شمال غربي نابلس شمال الضفة الغربية، لا تجد العائلات القليلة التي اختارت البقاء هناك سوى العتمة؛ لا إنارة في المنازل، ولا ثلاجات تحفظ الطعام، ولا مصدر طاقة بديلاً يمكن الاتكاء عليه في مواجهة انقطاع الكهرباء، الذي دخل يومه الرابع بعدما قطع مستوطنون أسلاك الأعمدة الكهربائية، ومنعوا إصلاحها.
يقول منجد فرعونية، أحد سكان التجمع، لـ”قدس برس”، “إن في المنطقة 12 منزلاً، يقطن في كل منها خمسة أشخاص على الأقل، مشيرا إلى أن السكان وجدوا أنفسهم من دون أي مصدر للطاقة منذ صباح الخميس، فيما بدأت المواد الغذائية المحفوظة في الثلاجات بالتلف بفعل درجات الحرارة المرتفعة. ولا يتوقف الأمر عند خسارة الطعام، فالعائلات تقضي ساعات الليل في ظلام كامل، فيما تبدو عملية إصلاح الأضرار أكثر تعقيداً بسبب صعوبة التنسيق للوصول إلى المنطقة وإعادة التيار الكهربائي.
ووفق فرعونية، فإن قطع الأسلاك ليس حادثاً منفرداً، إذ تعرضت شبكة الكهرباء للقطع للمرة الثانية خلال أقل من شهر، وهو ما يزيد مخاوف السكان من تحول الاعتداء إلى وسيلة ضغط متكررة على العائلات التي تعيش في المنطقة.
وبالنسبة له، فإنّ الكهرباء تبدو اليوم أبسط الاحتياجات وأكثرها إلحاحاً، فالسكان لا يطالبون برفاهية، وإنما بتيار كهربائي يمكنهم من حفظ طعامهم وتشغيل أجهزتهم والعيش بصورة طبيعية.
اعتداءات متكرّرة
أما بالنسبة إلى الناشط في مقاومة الاستيطان، دياب حجة، فإنّ ما يحدث في المنطقة يتجاوز مسألة الكهرباء، ويقول لـ”قدس برس”، “إن الأمور تتفاقم على نحوٍ متسارع”، مشيراً إلى أن نحو 70 شخصاً يعيشون في الحي ضمن 12 أسرة. ويؤكد أن المنطقة تتعرض منذ أكثر من ثلاثة أعوام لسلسلة من الاعتداءات طاولت المواطنين ومنازلهم والمزارعين والأراضي، وتخللتها اعتداءات بالضرب.
وكان آخر تلك الاعتداءات وفق حجة، الاعتداء على الشيخ أحمد دعيس، الذي أصيب بكسور في أنحاء مختلفة من جسده. ويضع حجة قطع الكهرباء ضمن سياق أوسع من التضييق على السكان، مشيراً إلى أن الهدف من هذه الاعتداءات هو دفع العائلات إلى مغادرة المنطقة، تمهيداً للسيطرة عليها، ويقول “إنّ المطلوب هو تسليط الضوء على الموقع وتعزيز صمود أهله”، معتبراً أن ترك العائلات في مواجهة الاعتداءات المتكررة من دون حماية أو دعم يفاقم الضغوط التي تدفعهم إلى الرحيل.
نقطة جغرافية مهمة
ولا تبدو المسعودية مجرد تجمع سكني صغير على أطراف نابلس، فالمنطقة تقع عند نقطة جغرافية مهمة، وتتداخل أراضيها بين برقة ورامين وسبسطية ودير شرف، وتضم نحو عشرة آلاف دونم بحسب تقديرات محلية، وفي قلبها تقع محطة المسعودية التاريخية، التي بقيت شاهدة على مرحلة من تاريخ فلسطين الحديث.
وتبلغ مساحة موقع المحطة نحو 26 دونماً، وتضم بقايا مبانٍ عثمانية وقضباناً من سكة الحديد التي ارتبطت تاريخياً بسكة حديد الحجاز، قبل أن تصبح المحطة جزءاً من خط نابلس-طولكرم. بدأ تشغيل المحطة في ديسمبر/كانون الأول 1914، وربطت في مراحل مختلفة نابلس بمناطق أخرى في فلسطين وبلاد الشام.
وبعد توقف القطارات، لم يفقد المكان قيمته لدى سكان المنطقة، إذ تحول تدريجياً إلى متنزه عام ومقصد للعائلات، وبقيت مسارات السكة القديمة جزءاً من ذاكرة الأهالي والمتنزهين.
لكن القيمة التاريخية والترفيهية ليست وحدها ما يجعل الموقع موضع اهتمام، ففي المنطقة أيضاً بئر مياه تابع لبلدية نابلس، يعد من المصادر المهمة لتزويد المدينة بالمياه. وبدأ تشغيل البئر عام 2010، ويسهم خلال فصل الصيف، وفق المعطيات المحلية، بنحو 25 إلى 30% من إنتاج المياه لمدينة نابلس، إضافة إلى وجود منشآت ومرافق أخرى في المنطقة، بينها نادي المدينة، ومشتل الجنيدي، ومتنزه اتحاد نقابات عمال فلسطين، ومتنزه المسعودية، ومشاريع عمرانية تابعة لإحدى الشركات الاستثمارية.
وتجعل هذه المواقع الاعتداءات على المنطقة، من وجهة نظر سكانها وناشطين، قضية تتجاوز عدد العائلات التي تعيش فيها، فكلما تراجعت الخدمات الأساسية، يصبح البقاء أكثر صعوبة، وتتحول الحياة اليومية إلى اختبار مستمر للقدرة على الصمود.
ولا تخفي العائلات القليلة التي ما زالت تقطن المسعودية حجم التحدي، فالمسألة بالنسبة إليها لا تتعلق بعودة التيار الكهربائي فحسب، رغم ضرورته العاجلة، وإنما بالقدرة على البقاء في أرض تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة متواصلة للاعتداءات.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY