على امتداد السهول الشرقية لمحافظة طوباس، وفي قلب الأغوار الفلسطينية الشمالية، يقع تجمع “الرأس الأحمر”، أحد أكثر التجمعات الفلسطينية عزلة واستهدافاً من الاحتلال الإسرائيلي.
وبينما تبدو المنطقة للوهلة الأولى مجرد رقعة صحراوية تتناثر فيها الخيام والبركسات، فإنها تمثل نموذجاً حياً لمعركة الفلسطيني اليومية من أجل البقاء على أرضه، في مواجهة سياسات الاستيطان، والمصادرة، والتدريبات العسكرية، وحرمان السكان من أبسط مقومات الحياة.
يقطن الرأس الأحمر عشرات العائلات البدوية والزراعية التي تعتمد بشكل رئيسي على تربية الأغنام والزراعة الموسمية كمصدر للدخل. إلا أن هذه الحياة البسيطة تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى صراع مفتوح مع الاحتلال، الذي يسعى إلى تفريغ المنطقة من سكانها الأصليين لصالح التوسع الاستيطاني وإحكام السيطرة على الأغوار الفلسطينية.
ويقع التجمع إلى الجنوب الشرقي من مدينة طوباس، ضمن منطقة الأغوار الشمالية، بالقرب من بلدات عين البيضاء وعاطوف ومدينة طمون.
وتعد المنطقة جزءاً من الأراضي الزراعية والرعوية الخصبة التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الزراعي في الأغوار، لكنها في الوقت نفسه تقع ضمن مناطق صنفتها إسرائيل “مناطق إطلاق نار” أو “مناطق تدريب عسكري”، وهو التصنيف الذي تستخدمه بصورة متكررة لتبرير عمليات الإخلاء والهدم ومنع البناء.
“منطقة عسكرية مغلقة”
يشير الباحث في شؤون الاغوار فارس فقها إلى أن الاحتلال يصنف مساحات واسعة من الرأس الأحمر ضمن ما يعرف بـ”مناطق إطلاق النار”، حيث تنفذ قوات الجيش تدريبات عسكرية بشكل دوري، تشمل استخدام الذخيرة الحية والدبابات والمدفعية الثقيلة.
وتجبر هذه التدريبات -وفق فقها- العائلات الفلسطينية على مغادرة مساكنها لساعات أو أيام متواصلة، فيما يمنع الرعاة من الوصول إلى المراعي الطبيعية، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الثروة الحيوانية التي تشكل مصدر الرزق الأساسي للسكان.
ويؤكد الباحث أن التدريبات العسكرية لا تستهدف الجانب الأمني فقط، بل تستخدم وسيلة للضغط النفسي ودفع السكان إلى الرحيل طوعاً.
هدم ومصادرة متواصلة
يكاد لا يمر عام دون أن يتعرض تجمع الرأس الأحمر لسلسلة من عمليات الهدم أو المصادرة. ويقول رئيس مجلس قروي الرأس الأحمر عبد الله بشارات لـ”قدس برس” إلى أن سلطات الاحتلال تستهدف الخيام السكنية، وحظائر الأغنام، وبركسات تخزين الأعلاف، والخلايا الشمسية، وشبكات المياه، بحجة البناء دون ترخيص، رغم أن الفلسطينيين محرومون عملياً من الحصول على أي تراخيص للبناء في المنطقة.
وتابع قائلا “كما تصادر قوات الاحتلال الجرارات الزراعية وصهاريج المياه والآليات التي يعتمد عليها السكان في أعمالهم اليومية، ما يزيد من صعوبة الحياة ويضاعف الأعباء الاقتصادية على العائلات”.
وتعد أزمة المياه من أخطر التحديات التي تواجه سكان الرأس الأحمر. فالتجمع غير مرتبط بشبكات المياه الفلسطينية بشكل كافٍ، ويعتمد السكان على شراء المياه المنقولة بالصهاريج، وهي وسيلة مكلفة جداً مقارنة بدخلهم المحدود.
وفي المقابل، تنتشر في محيط التجمع المستعمرات الإسرائيلية التي تتمتع بشبكات مياه حديثة وآبار عميقة وريّ زراعي متواصل، في مشهد يجسد الفجوة الكبيرة في توزيع الموارد المائية بين الفلسطينيين والمستوطنين.
ويؤكد الأهالي أن الاحتلال يمنعهم من حفر آبار جديدة أو تطوير مصادر المياه، كما يفرض قيوداً مشددة على إقامة خزانات أو شبكات توزيع.
الرعي تحت التهديد
وتعتمد معظم العائلات في الرأس الأحمر على تربية الأغنام. ويقول رئيس المجلس “غير أن المراعي الطبيعية التي كانت تمتد على آلاف الدونمات تقلصت بصورة كبيرة نتيجة إقامة البؤر الاستيطانية، وإغلاق مساحات واسعة باعتبارها مناطق عسكرية، إضافة إلى اعتداءات المستوطنين الذين يطردون الرعاة ويمنعونهم من الوصول إلى أراضيهم”.
وتسببت هذه السياسات في ارتفاع كلفة الأعلاف بشكل كبير، ما أدى إلى تراجع أعداد المواشي التي تمتلكها العائلات.
اعتداءات المستوطنين
إلى جانب جيش الاحتلال الإسرائيلي، يواجه سكان الرأس الأحمر اعتداءات متكررة من المستوطنين. وتشمل هذه الاعتداءات مهاجمة الرعاة، وسرقة المواشي، وتخريب الممتلكات، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، فضلاً عن إقامة بؤر استيطانية رعوية جديدة تبتلع مساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
ويرى مراقبون أن هذه البؤر أصبحت إحدى أبرز أدوات السيطرة الإسرائيلية على الأغوار، إذ تبدأ بعدد محدود من المستوطنين وقطعان الماشية، ثم تتحول تدريجياً إلى تجمعات استيطانية دائمة.
التعليم والخدمات
يعاني سكان الرأس الأحمر نقصاً حاداً في الخدمات الأساسية. فالمدارس بعيدة نسبياً عن التجمع، ويضطر الأطفال إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى مدارسهم، في حين تواجه سيارات النقل المدرسي عراقيل متكررة بسبب الحواجز العسكرية والإغلاقات.
كما يفتقر التجمع إلى مركز صحي دائم، ويضطر المرضى إلى التوجه إلى طوباس أو طمون لتلقي العلاج، وهو ما يصبح أكثر صعوبة في حالات الإغلاق أو أثناء التدريبات العسكرية.
أما الكهرباء، فلا تصل إلى معظم المساكن، ويعتمد السكان على الألواح الشمسية التي تتعرض هي الأخرى للمصادرة أو الهدم بين الحين والآخر.
الأغوار… الهدف الاستراتيجي
لا ينفصل ما يجري في الرأس الأحمر عن السياسة الإسرائيلية الأوسع في الأغوار الفلسطينية. فالاحتلال يعتبر الأغوار منطقة ذات أهمية استراتيجية، ويواصل منذ سنوات توسيع المستعمرات، والاستيلاء على الأراضي، والسيطرة على مصادر المياه، ومنع التوسع العمراني الفلسطيني.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى أن إسرائيل تسيطر على معظم أراضي الأغوار، فيما تخصص مساحات واسعة للمستعمرات أو المناطق العسكرية أو المحميات الطبيعية، الأمر الذي يحد بصورة كبيرة من قدرة الفلسطينيين على استغلال أراضيهم أو تطويرها.
صمود رغم الظروف
ورغم كل أشكال التضييق، ما يزال سكان الرأس الأحمر يتمسكون بالبقاء في أرضهم. ويؤكد الأهالي أن وجودهم في المنطقة ليس مجرد إقامة سكنية، بل دفاع عن واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية استهدافاً، وأن الرحيل يعني فتح الباب أمام مزيد من التوسع الاستيطاني في الأغوار.
وبين خيام البدو، وقطعان الأغنام، والحقول التي تنتظر المطر، يواصل سكان الرأس الأحمر كتابة قصة صمود يومية، عنوانها التمسك بالأرض رغم الهدم، والعطش، والحرمان، والتهجير المتواصل، في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية تعرضاً لسياسات الاحتلال الرامية إلى تغيير الواقع الديموغرافي والجغرافي في الأغوار الشمالية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY