Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الحملة العسكرية في الخليل.. هل يمهّد الاحتلال لمرحلة جديدة من السيطرة على الضفة الغربية؟

لا تبدو الحملة العسكرية التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي في مدينة الخليل ومناطق متفرقة من الضفة الغربية مجرد استجابة لعملية إطلاق النار التي أسفرت عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين، بل تثير تساؤلات بشأن توظيف الأحداث الأمنية لتوسيع نطاق العمليات، وفرض وقائع ميدانية جديدة تستهدف المجتمع الفلسطيني وجغرافيته وقدرته على الصمود.

فبين إخلاء أحياء سكنية، وتشديد الحصار والإغلاق، وإقامة السواتر الترابية، وتعطيل الأنشطة الاقتصادية والزراعية، تتجاوز الإجراءات الإسرائيلية، وفق قراءات سياسية وميدانية، مفهوم الملاحقة الأمنية المحدودة، لتطرح احتمالات الانتقال إلى نمط أوسع من السيطرة العسكرية المباشرة وإعادة تشكيل البيئة الفلسطينية في الضفة الغربية.

وفي هذا السياق، يبرز سؤالان متلازمان: هل تستغل حكومة الاحتلال العملية الأخيرة ذريعة لتسريع تنفيذ مشروع سياسي واستيطاني سابق؟ وهل تمثل الخليل ساحة اختبار لإجراءات قد تمتد لاحقًا إلى محافظات أخرى؟

ماذا يريد الاحتلال؟

يرى الكاتب الفلسطيني محمد القيق أن ما يجري في الخليل لا يمكن فهمه بمعزل عن سياق أوسع يستهدف المدن والبلدات الفلسطينية، بصرف النظر عن وجود عمليات مقاومة في المناطق التي تتعرض للهجوم.

وأشار القيق، في حديث لـ”قدس برس”، إلى أن العمليات الإسرائيلية لم تقتصر على المواقع التي شهدت مواجهات أو عمليات عسكرية فلسطينية، بل امتدت إلى قرى وبلدات في محافظة الخليل، بينها يطا، ومناطق في نابلس ومحافظات أخرى، بالتزامن مع إغلاق تجمعات سكانية وعزل مناطق زراعية، ومنع مزارعين من الوصول إلى أراضيهم وقطف الزيتون.

وبحسب قراءته، يعكس هذا النمط من الإجراءات توجهًا نحو استهداف البيئة الاجتماعية الفلسطينية بمجملها، من خلال تفكيك الروابط بين التجمعات السكانية، وإضعاف مقومات الحياة الاقتصادية، وخلق حالة مستمرة من عدم الاستقرار الأمني والمعيشي.

وحدد القيق ثلاثة أهداف رئيسية لهذه السياسة؛ أولها تشويه صورة المقاومة وربطها بالعقوبات الجماعية التي يتعرض لها السكان، وثانيها تقويض إمكانية إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة جغرافية وسياسية متصلة، وثالثها فرض التبعية من خلال وضع الفلسطينيين أمام خيارات قاسية، تتمثل في تحمل ظروف معيشية وأمنية متدهورة أو مغادرة مناطقهم.

وأضاف أن الوجود المكثف واليومي للجنود والمستوطنين داخل المدن وعلى الطرق وفي المناطق الزراعية لا يقتصر على تحقيق السيطرة العسكرية، بل يسهم في إعادة تشكيل علاقة الفلسطيني بمحيطه، وتحويل الحركة والوصول إلى الأرض والعمل إلى مسائل خاضعة للقرار الإسرائيلي.

ومن هذا المنظور، يقرأ القيق ما يجري باعتباره محاولة لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني، عبر تجزئة الجغرافيا وإضعاف المجتمع وفرض معادلة تجعل استمرار الحياة اليومية مرهونًا بشروط الاحتلال.

وربط القيق هذه السياسات بمسار أوسع يستهدف تقويض المشروع الوطني الفلسطيني، محذرًا من حصر تفسيرها في أحداث بعينها، بما فيها أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ إن جذورها، وفق تقديره، ترتبط بمشاريع الضم والسيطرة والتوسع الاستيطاني التي سبقت تلك الأحداث.

ما الذي يجري في الخليل؟

على المستوى الميداني، اتخذت الحملة الإسرائيلية منحى أكثر اتساعًا مع إخلاء عدة أحياء سكنية في مدينة الخليل، في خطوة يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أنها تستدعي قراءة تتجاوز التفسير الأمني المباشر.

وقال شديد، في حديث لـ”قدس برس”، إن الإجراءات المتخذة في المدينة، بما فيها إخلاء أحياء سكنية واسعة، تشبه في بعض جوانبها أنماطًا سبق أن شهدتها مخيمات شمال الضفة الغربية وقطاع غزة، معتبرًا أن العملية التي وقعت عند المدخل الشمالي الغربي للخليل وفرت فرصة لتسريع تنفيذ مخطط كان قائمًا في الأصل.

وبحسب شديد، فإن الربط المباشر بين الحملة والعملية الفلسطينية الأخيرة لا يكفي لتفسير طبيعة الإجراءات وحجمها، ولا يوضح أسباب اتساعها لتشمل مناطق سكنية وتدابير تتجاوز نطاق الموقع الذي شهد العملية.

وأشار إلى أن ما يجري ينسجم مع توجهات التيار الصهيوني الديني في الحكومة الإسرائيلية، الذي يطرح معادلة تقوم على إخضاع الفلسطينيين ودفعهم إلى الاستسلام أو الهجرة، أو مواجهة القوة العسكرية الإسرائيلية.

وتكتسب هذه القراءة أهميتها من اتساع نطاق التدابير المفروضة على السكان، إذ لا تقتصر آثارها على من تصنفهم قوات الاحتلال أهدافًا أمنية، بل تمتد إلى حركة المواطنين وأعمالهم ومصادر رزقهم، فضلًا عن عرقلة الوصول إلى الأراضي الزراعية والحد من التواصل بين التجمعات الفلسطينية.

وفي حال استمرار هذه الإجراءات واتساع نطاقها، فقد تواجه الخليل واقعًا تتداخل فيه السيطرة العسكرية مع القيود الجغرافية والضغوط الاقتصادية، بما ينعكس على قدرة السكان على البقاء وممارسة حياتهم الطبيعية.

غير أن تحديد المدى النهائي للحملة، وما إذا كانت ستتحول إلى نموذج دائم أو تمتد إلى محافظات أخرى، يظل مرتبطًا بالتطورات الميدانية والقرارات الإسرائيلية اللاحقة.

لماذا الخليل؟ وهل تتحول إلى نموذج لبقية الضفة؟

يرى القيق أن وضع الخليل في مركز العمليات الحالية قد يمهد لتعميم نمط مشابه على مناطق أخرى في الضفة الغربية، بحيث لا تبقى الإجراءات مرتبطة بوقوع عمليات فلسطينية في كل منطقة، بل تصبح جزءًا من سياسة أوسع لإعادة تشكيل الواقع الأمني والجغرافي.

وتكمن خطورة هذا الاحتمال في أن تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع متكرر قد يؤدي إلى توسيع نطاق الإغلاق والعزل والاقتحامات، وجعل المدن والبلدات الفلسطينية أكثر ارتباطًا بمنظومة من الحواجز والقيود العسكرية التي تحد من حرية الحركة والتواصل الجغرافي.

من جانبه، حذّر شديد من أن ما يجري قد يمثل بداية مرحلة أكثر وضوحًا في تنفيذ مشروع سياسي يستهدف إخضاع الفلسطينيين وتقليص قدرتهم على الصمود في أرضهم، معتبرًا أن البعد الأمني يوفر غطاءً لتوجهات أيديولوجية تتعلق بمستقبل الأرض والسكان.

وتطرح هذه التقديرات احتمال توظيف العمليات العسكرية لإنتاج وقائع جديدة على الأرض، ثم التعامل معها باعتبارها أمرًا واقعًا يصعب التراجع عنه، خصوصًا عندما تقترن بإخلاء السكان أو تعطيل الحياة الاقتصادية أو فرض قيود طويلة الأمد على الحركة والوصول إلى الأراضي.

لكن الجزم بوجود خطة موحدة لتعميم تجربة الخليل على كامل الضفة الغربية يتطلب الاستناد إلى قرارات وإجراءات موثقة، إلى جانب متابعة التطورات الميدانية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.

إلى أين تتجه الأمور؟

يعتقد شديد أن فرص التأثير في المسار الإسرائيلي لا ترتبط بالقدرة الفلسطينية وحدها، بل تتأثر أيضًا بالمواقف الإقليمية والدولية، ولا سيما طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة، وموقف الدول العربية التي ترتبط بإسرائيل باتفاقيات سلام أو تطبيع.

ويرى أن اتخاذ مواقف عربية أكثر صرامة، تربط استمرار العلاقات مع إسرائيل بوقف إجراءاتها في الأراضي الفلسطينية، قد يزيد الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، وربما يدفع واشنطن إلى التدخل لاحتواء التصعيد.

وفي المقابل، يشير شديد إلى أن حجم المشروع وتداعياته يجعلان من الصعب التعامل معه باعتباره تحركًا عسكريًا منفصلًا عن البيئة السياسية الدولية، معتبرًا أن الموقف الأمريكي يمثل عاملًا مؤثرًا في تحديد هامش التحرك الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن غياب أدوات الضغط الكافية لا يعني، وفق قراءة شديد، أن الفلسطينيين مطالبون بالتسليم بالنتائج التي تسعى إسرائيل إلى فرضها، إذ يشدد على ضرورة رفض منح هذه الإجراءات شرعية سياسية أو القبول بها باعتبارها واقعًا نهائيًا.

وعلى المستوى الفلسطيني، تطرح الحملة المستمرة تحديات تتعلق بحماية السكان، والحفاظ على الوجود في المناطق المستهدفة، وتوثيق الانتهاكات، وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة القيود العسكرية والاقتصادية.

وفي ظل غياب ضغوط سياسية ودولية مؤثرة، يظل خطر استمرار الإجراءات واتساع نطاقها قائمًا، بما قد يفاقم التجزئة الجغرافية ويزيد الأعباء المعيشية على الفلسطينيين.

وكانت قد أكدت بلدية الخليل أن جيش الاحتلال أجبر نحو 1500 فلسطيني من 250 عائلة على النزوح من منازلهم في المدينة جنوبي الضفة الغربية المحتلة منذ الجمعة، ويعتزم تهجير نحو 2500 فلسطيني آخرين خلال الساعات المقبلة.

وأوضحت البلدية في بيان لها اليوم السبت، أن العائلات التي أُجبرت على النزوح تقطن منطقتي دير بحة والجلدة، اللتين تضمان 500 عائلة.

وأضافت أن القوات الإسرائيلية وضعت علامات على المنازل التي أُخليت، ووزعت بيانات تطالب العائلات المتبقية بمغادرة منازلها دون اصطحاب مركباتها، في إطار عدوانها المتواصل على المدينة.

وكان رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو صرّح الجمعة، خلال اقتحامه الخليل، بأن جيشه يستعد لعدوان عسكري واسع في الضفة الغربية المحتلة تشمل تشريد فلسطينيين من أحيائهم ومداهمة منازلهم. وقال: “سنقوم هنا بما لم نفعله من قبل، سنطبق النموذج الهجومي الناجح الذي نفذناه في مخيمات اللاجئين”، في إشارة إلى العمليات العسكرية شمالي الضفة.

ولليوم الثاني على التوالي، يواصل الجيش الإسرائيلي، السبت، حصار الخليل ضمن عملية عسكرية بدأها الجمعة، وتخللها إجبار فلسطينيين على إخلاء منازلهم.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY