يتواصل الجدل حول قدرة المحكمة الجنائية الدولية على محاسبة قادة الاحتلال الإسرائيلي على جرائم الحرب والانتهاكات المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني. ومع تجدد الحديث عن قرب إصدار مذكرات اعتقال بحق وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يعود السؤال إلى الواجهة: هل تنجح المحكمة في تجاوز الضغوط السياسية والأمنية، وتثبت أنها مؤسسة قضائية مستقلة لا تعرف الاستثناءات؟
تراكم طويل وتأخر كبير.
يرى الخبير القانوني معتز المسلوخي أن الحديث عن إصدار مذكرات اعتقال بحق بن غفير وسموتريتش تأخر كثيراً، وكان من المفترض أن يتم قبل أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وفي حديث مع “قدس برس”، أوضح المسلوخي أن المدعي العام الحالي للمحكمة، كريم خان، وضع منذ البداية الأساس القانوني لهذه الملاحقات، مشيراً إلى أن القائمة الأصلية كانت تضم نحو 49 مسؤولاً إسرائيلياً، من بينهم بن غفير وسموتريتش، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأضاف أن خان اعتمد استراتيجية التدرج، مبتدئاً بملاحقة “الرؤوس الكبيرة”، في إشارة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالنت. واعتبر أن صدور مذكرات التوقيف بحقهما في تشرين ثاني/نوفمبر الماضي شكّل حدثاً تاريخياً غير مسبوق، وأثبت أن المحكمة بدأت تتحرر من بعض القيود السياسية رغم حجم الضغوط الغربية.
ضغوط وتهديدات غير مسبوقة
أشار المسلوخي إلى أن كريم خان واجه ضغوطاً وتهديدات مباشرة من أطراف إسرائيلية وأمريكية وغربية، وصلت إلى حد التلويح بالقتل، لكنه واصل عمله دون تراجع. ولفت إلى أن محاولات عرقلة عمل المحكمة شملت أيضاً عقوبات أمريكية فرضتها إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب على قضاة المحكمة ومسؤوليها.
ورغم ذلك، أكد المسلوخي أن خان أثبت استقلالية نادرة، واعتبر أن إصدار المذكرات بحق نتنياهو وغالنت كان بمثابة “قنبلة قانونية” وضعت حداً لسياسة الإفلات من العقاب، ما يجعل من المتوقع أن تتوسع المحكمة في إصدار مذكرات توقيف بحق قادة آخرين، بمن فيهم بن غفير وسموتريتش.
أهمية الوصف القانوني
دعا المسلوخي الإعلام العربي إلى استخدام الوصف القانوني الدقيق عند الحديث عن نتنياهو، بوصفه “مجرم حرب فار من العدالة”، مشدداً على أن مذكرات التوقيف الصادرة عن “الجنائية الدولية” سارية المفعول، وأن تجاهل تنفيذها لا يسقط قيمتها القانونية ولا السياسية.
وأشار إلى أن التهديدات التي تعرض لها كريم خان سبقتها تهديدات مماثلة للمدعية السابقة فاتو بن سودا، التي فتحت في عام 2021 ملف اختصاص المحكمة في الأراضي الفلسطينية. وأوضح أن جهاز “الموساد” مارس ضغوطاً مباشرة عليها وصلت إلى حد تهديدها شخصياً، ما أدى إلى عرقلة تجديد ولايتها.
المشهد القانوني والسياسي الراهن
من جانبه، أكد الخبير القانوني عماد عواد أن احتمالية إصدار مذكرات اعتقال جديدة بحق بن غفير وسموتريتش قائمة، بل أقرب للتحقق من أي وقت مضى.
وأوضح أن الأساس القانوني لهذه المذكرات موجود بوضوح في المادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي، والمتعلقتين بجرائم الفصل العنصري والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاستيطان والتهجير القسري.
وفي حديثه مع “قدس برس”، أشار عواد إلى أن القضاة سيصدرون المذكرات إذا وصلهم الطلب من مكتب الادعاء، نظراً لتوفر الأدلة وقيام الاختصاص القضائي. لكنه حذر من أن المحكمة تحتاج إلى دعم سياسي دولي لتجاوز الضغوط الأمريكية المستمرة، مذكّراً بأن الإدارة الأمريكية هددت مراراً قضاة المحكمة ومسؤوليها في حال إصدار مذكرات جديدة ضد قادة الاحتلال.
دور أوروبا والتحولات الدولية
أوضح عواد أن بعض الدول الأوروبية باتت أكثر صرامة تجاه بن غفير وسموتريتش، حيث منعتهم من دخول أراضيها، في موقف يعكس تحولاً ملحوظاً مقارنة بالضغوط السابقة التي مورست على المحكمة.
وأضاف أن الظروف السياسية الدولية تبدو مشجعة، خاصة بعد المؤتمر الدولي الذي قادته فرنسا والسعودية في الأمم المتحدة، وتأجيل عدد من الدول إعلان اعترافها بالدولة الفلسطينية إلى سبتمبر المقبل، في خطوة مرتبطة بانتظار مخرجات هذه التطورات.
اختبار جديد للمحكمة
وحذر عواد من أن المحكمة الجنائية الدولية تقف اليوم أمام اختبار ثانٍ بعد نجاحها في إصدار المذكرات بحق نتنياهو وغالنت.
وأشار إلى أن هذا الاختبار قد يكون أسهل نسبياً، نظراً لتراجع الضغوط الأوروبية، لكنه لا يخلو من تهديدات مباشرة، خصوصاً من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل.
ونوّه إلى أن الاتهامات الموجهة لبن غفير وسموتريتش لا تقتصر على جرائم الحرب، بل تشمل أيضاً دعم سياسة الإبادة الجماعية من خلال سياسات التجويع والتهجير، مؤكداً أن هذه التهم ثابتة قانونياً وتشكل أرضية قوية للملاحقة.
وشدد عواد على أن الدول الأطراف في نظام روما الأساسي، والبالغ عددها 124 دولة، تتحمل مسؤولية مباشرة في حماية قضاة المحكمة وموظفيها من التهديدات، مؤكداً أن تهديد القضاة يُعد جريمة تستوجب الملاحقة.
وأشار إلى أن هذه الدول مطالبة بإحالة ملف التهديدات إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ضمن إطار “الاتحاد من أجل السلام”، بهدف إصدار قرارات ملزمة لتوفير الحماية للمحكمة.
وبين ضغوط التهديد والرهان على استقلال القضاء الدولي، تقف المحكمة الجنائية الدولية مجدداً أمام لحظة فارقة. فقد شكّل إصدار مذكرات التوقيف بحق نتنياهو وغالنت حدثاً غير مسبوق في التاريخ القانوني الدولي، لكنه لم ينهِ الجدل حول جدوى هذه المذكرات في ظل غياب آليات التنفيذ.
ومع الحديث عن قرب صدور مذكرات بحق بن غفير وسموتريتش، يبرز السؤال مجدداً: هل ستثبت المحكمة أنها قادرة على المضي قدماً في مواجهة الضغوط، أم أن مصير هذه المذكرات سيكون مجرد أوراق معلّقة بانتظار عدالة مؤجلة؟.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY