كشفت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست «الإسرائيلي» عن مشهد سياسي معقد، مع إخفاق معسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمعارضة بقيادة غادي آيزنكوت في حسم الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيل الحكومة، وسط تقدم لافت للأحزاب العربية وتزايد التساؤلات بشأن مستقبل الحكم واحتمالات انعكاس الأزمة الداخلية على السياسات العسكرية «الإسرائيلية» في المنطقة.
ويرى محللان سياسيان أن الانتخابات أظهرت عمق الانقسام داخل المجتمع «الإسرائيلي»، وأعادت طرح أزمة تشكيل الحكومات الائتلافية، في ظل استمرار نفوذ التيارات اليمينية وصعوبة بناء تحالف معارض قادر على إزاحة نتنياهو، فيما تختلف التقديرات بشأن إمكانية لجوئه إلى التصعيد العسكري لتجاوز مأزقه السياسي.
انتخابات على مستقبل الدولة
وقال المحلل السياسي مأمون أبو عامر، في حديثه لـ«قدس برس»، إن الانتخابات الأخيرة اختلفت عن سابقاتها، إذ تحولت إلى تصويت على مستقبل الدولة «الإسرائيلية» وشكلها السياسي، أكثر من كونها منافسة تقليدية بين الأحزاب على السلطة.
وأوضح أن النتائج الأولية، التي منحت معسكر نتنياهو نحو 54 مقعداً، مقابل 49 للمعارضة و17 للأحزاب العربية، وضعت الأطراف أمام معادلة شديدة التعقيد، إذ حافظ نتنياهو على قاعدة انتخابية واسعة دون امتلاك الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وأشار إلى أن آيزنكوت يواجه عقبة تتمثل في افتقار معسكره إلى أغلبية برلمانية من الأحزاب اليهودية، ما يجعله بحاجة إلى دعم الأحزاب العربية، وهو خيار قد يثير اعتراضات داخل المعارضة نفسها.
وبيّن أن بعض مكونات المعارضة قد ترفض تشكيل حكومة تعتمد على أصوات النواب العرب، خشية تداعيات ذلك أمام جمهورها، ما قد يؤدي إلى تصدع تحالفاتها أو انتقال بعض أعضائها إلى معسكر نتنياهو، ومنحه فرصة للوصول إلى الأغلبية المطلوبة البالغة 61 مقعداً.
ورأى أن المعارضة قد تتجه إلى خطوات برلمانية محدودة، بينها محاولة تغيير رئيس الكنيست، دون أن يعني ذلك قدرتها على تشكيل حكومة بديلة، مشيراً إلى أن استمرار الانسداد السياسي قد يتيح لنتنياهو البقاء في منصبه خلال المرحلة الانتقالية، وربما حتى منتصف آذار/مارس المقبل.
ولفت إلى احتمال إقدام آيزنكوت على تشكيل حكومة هدفها إخراج نتنياهو من رئاسة الوزراء، لكنه اعتبر أن الاعتماد على الأحزاب العربية لتحقيق ذلك سيشكل تحدياً سياسياً كبيراً قد يهدد تماسك المعارضة.
أزمة حكم وتحول نحو اليمين
من جانبه، قال المحلل السياسي هاني الدالي، في حديثه لـ«قدس برس»، إن النتائج تعكس حالة انسداد سياسي وانقسام عمودي حاد داخل المجتمع «الإسرائيلي»، مع عجز المعسكرين الرئيسيين عن تحقيق الأغلبية المطلقة.
وأوضح أن الانتخابات كشفت استمرار الاستقطاب الشخصي والسياسي، إلى جانب تحول بنيوي متواصل نحو اليمين، إذ تواصل الأحزاب اليمينية والدينية والمتطرفة السيطرة على مساحة واسعة من الخريطة البرلمانية، مقابل تراجع قوى اليسار.
واعتبر أن التقدم التاريخي للأحزاب العربية يعكس تنامي إدراك فلسطينيي الداخل لخطورة المرحلة، ورغبتهم في تشكيل قوة سياسية تواجه صعود اليمين المتطرف، ولا سيما التيارات المرتبطة بإيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
ورأى الدالي أن النتائج تكشف تراجع قدرة نتنياهو على الحسم السياسي، رغم تصدر الليكود بنحو 27 مقعداً، واعتماده على حملة إعلامية واسعة ودعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وأضاف أن المعارضة تواجه بدورها أزمة تتعلق بغياب البديل السياسي المتماسك، إذ تضم قوى متباينة أيديولوجياً وسياسياً، وتفتقر إلى مشروع جامع قادر على إقناع قطاعات واسعة من الناخبين.
هل يلجأ نتنياهو إلى الحرب؟
وحول احتمالات التصعيد العسكري، استبعد أبو عامر حاجة نتنياهو إلى إشعال حرب إقليمية جديدة، معتبراً أن استمرار فرصه في العودة إلى السلطة يقلل دوافعه لاتخاذ خطوات عسكرية واسعة قد تعطل المسار السياسي.
لكنه توقع استمرار السياسات العسكرية «الإسرائيلية»، مع احتمال اعتماد نتنياهو خيارات أكثر مرونة في التعامل مع الإدارة الأمريكية، خصوصاً بشأن خطة ترامب المتعلقة بقطاع غزة، في محاولة للحفاظ على الدعم الأمريكي.
كما استبعد توجه واشنطن إلى حرب جديدة ضد إيران في المرحلة الحالية، مرجحاً أن تدفع الحسابات السياسية الأمريكية نحو تجنب مواجهة إقليمية واسعة.
في المقابل، رأى الدالي أن نتنياهو قد يلجأ إلى التصعيد العسكري لإدارة أزماته السياسية، معتبراً أنه اعتمد تاريخياً على استراتيجية الهروب إلى الأمام، والحفاظ على التهديد الأمني لتأجيل المحاسبة السياسية وإبقاء معسكره متماسكاً.
وأوضح أن التصعيد قد يشكل وسيلة لخلط الأوراق ودفع المعارضة إلى المشاركة في حكومة طوارئ بشروط نتنياهو، لكنه شدد على وجود قيود تحول دون اندلاع حرب إقليمية واسعة.
وأشار إلى تحفظ المؤسسة العسكرية على حروب الاستنزاف الطويلة، والحسابات الأمريكية الرافضة لتوسيع المواجهة، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخل «إسرائيل».
ورجح أن يسعى نتنياهو إلى الحفاظ على حالة بين الحرب والتهدئة، عبر تصعيد محدود وتوترات أمنية متواصلة تسمح بإبقاء الأزمة السياسية معلقة.
مخاوف التفكك الداخلي
وربط الدالي نتائج الانتخابات بما يُعرف بـ«عقدة العقد الثامن»، التي تعكس المخاوف من تفكك «إسرائيل» بفعل الانقسامات الداخلية مع اقتراب مرور ثمانين عاماً على تأسيسها.
واعتبر أن استمرار تشتت المقاعد البرلمانية وتكرار أزمات تشكيل الحكومات يكشف أزمة بنيوية تتجاوز التنافس بين نتنياهو وخصومه، وترتبط بعجز القوى السياسية عن بناء توافقات مستقرة بشأن هوية الدولة ومستقبل نظامها السياسي.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY