تشهد مدينة نابلس وبلداتها وقراها، كما سائر مناطق الضفة الغربية، نمطًا متكررًا من الاقتحامات التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي في وضح النهار، دون إطلاق نار أو اندلاع مواجهات، في مشهد يثير تساؤلات حول أهدافه ودلالاته.
فهذا النوع من التحركات، الذي يتصدره غالبًا ضابط عسكري برتبة عالية يجول في أحياء البلدة بشكل علني، لا يُنظر إليه على أنه مجرد جولة تفقدية عابرة، بل يُقرأ في سياق أوسع يرتبط بإعادة ترتيب السيطرة الميدانية وتهيئة الأرض لمرحلة أمنية جديدة.
وتشير المعطيات إلى أن هذه الجولات تحمل في طياتها أهدافًا استخبارية واضحة، إذ يعمل الضابط الميداني على الاطلاع المباشر على تفاصيل المنطقة، بعيدًا عن التقارير المكتبية.
وتشمل هذه العملية دراسة جغرافيا الأحياء، وتحليل طبيعة الشوارع والممرات، وتحديد نقاط القوة والضعف داخل البلدة.
كما يتم خلال هذه الجولات رصد أماكن التجمعات السكانية، ومناطق التوتر المحتملة، إضافة إلى مداخل البلدة ومخارجها، ونقاط يمكن تحويلها لاحقًا إلى حواجز عسكرية أو مواقع مراقبة.
ويُنظر إلى هذا السلوك باعتباره خطوة تمهيدية لوضع خطط عمليات مستقبلية أكثر دقة، تعتمد على معطيات ميدانية مباشرة.
فرض السيطرة النفسية
إلى جانب البعد الاستخباري، تحمل هذه الاقتحامات رسائل نفسية واضحة للسكان، إذ إن دخول ضابط عسكري إلى قلب الأحياء دون أي مقاومة أو احتكاك يُستخدم أداةً لإظهار السيطرة وإعادة فرض “الهيبة” العسكرية.
يقول الناشط السياسي سائد الحداد، لـ”قدس برس”، إن هذه الرسائل تتمثل في التأكيد على الحضور الدائم للقوات، وإيصال إشارات غير مباشرة بأن كل تحرك مرصود، وأن البلدة تقع تحت رقابة مستمرة، مضيفًا: “يهدف ذلك إلى خلق حالة من الضغط النفسي لدى السكان، تدفع نحو تقليل أي نشاط قد يُفسَّر على أنه معارضة أو مقاومة”.
قراءة ردود الفعل
ويضيف: “تتيح هذه الجولات لقوات الاحتلال فرصة تقييم ردود فعل السكان على الأرض دون تصعيد عسكري، ويتم خلال ذلك مراقبة سلوك الأهالي، ورصد أي مؤشرات على وجود مقاومة شعبية أو تحركات شبابية”.
ويشير الحداد إلى أن هذه المراقبة تشمل أيضًا متابعة نقاط الاحتكاك المحتملة، وتحديد ما إذا كانت هناك مجموعات تنشط في مراقبة تحركات القوات أو تتفاعل معها، وهو ما يوفر صورة أوضح عن مستوى التوتر داخل البلدة.
ويُعد هذا التقييم مهمًا في تحديد طبيعة أي تدخل لاحق، سواء كان محدودًا أو واسع النطاق.
تمهيد لعمليات لاحقة
ويرى مراقبون أن هذا النمط من الاقتحامات غالبًا ما يسبق تنفيذ عمليات ميدانية أكبر، مثل حملات اعتقال مركزة، أو عمليات تفتيش واسعة، أو حتى إعادة انتشار عسكري عبر إقامة حواجز ثابتة داخل الأحياء.
ويقول الأسير المحرر عصام الترابي، الذي أمضى 15 عامًا في سجون الاحتلال، إن تلك التوغلات قد تُشكّل مقدمة لاقتحامات أوسع في المستقبل، تعتمد على المعلومات التي جُمعت خلال هذه الجولات الاستطلاعية.
وأضاف: “في هذا الإطار، يُنظر إلى هذه التحركات على أنها مرحلة “تهيئة”، يتم خلالها تجهيز البيئة الميدانية قبل الانتقال إلى خطوات أكثر تصعيدًا”.
وشدد على أن هذه الجولات تلعب دورًا مهمًا في جمع البيانات، إذ يسعى الضابط الميداني إلى تكوين صورة شاملة عن الواقع المحلي، تشمل تحديد الشخصيات المؤثرة في المجتمع، وأماكن وجود النشطاء، إضافة إلى رصد مواقع كاميرات المراقبة والبنية التحتية للأحياء.
كما يتم التركيز على تحديد منازل أو مواقع يمكن استخدامها لاحقًا في العمليات العسكرية، سواء كنقاط تمركز أو أهداف ميدانية.
وتُعد هذه المعلومات جزءًا من بنك بيانات أوسع، يُستخدم في التخطيط للعمليات الأمنية والاستخبارية.
اختبار الجاهزية العسكرية
إلى جانب ذلك، قد تحمل هذه الاقتحامات بُعدًا داخليًا يتعلق بتقييم أداء القوات نفسها، خاصة في حال وجود وحدات جديدة أو تغييرات في القيادة الميدانية.
ويشمل ذلك اختبار مستوى الانضباط لدى الجنود، وقياس قدرتهم على تنفيذ التعليمات في بيئة مدنية، إضافة إلى رصد أي أخطاء أو تسريبات قد تؤثر في سير العمليات المستقبلية.
كما تتيح هذه الجولات تثبيت أنماط عمل جديدة، أو إدخال تعديلات على أساليب الانتشار والتدخل.
مرحلة جديدة
في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن الاقتحامات النهارية التي تبدو “هادئة” في ظاهرها، تحمل في جوهرها أبعادًا أمنية مركبة، تتجاوز فكرة الاستعراض أو التفقد، لتشكّل جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل المشهد الميداني.
وتشير الخلاصة إلى أن هذه الجولات تمثل خطوة أولى في مسار قد يتطور إلى إجراءات أكثر حدة، سواء على مستوى العمليات العسكرية أو فرض الوقائع على الأرض.
وبين الرسائل النفسية وجمع المعلومات، تبقى هذه التحركات مؤشرًا على مرحلة جديدة من تعامل الاحتلال مع المدن الفلسطينية، عنوانها “السيطرة الهادئة”، التي تسبق، في كثير من الأحيان، تصعيدًا محسوبًا.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY