مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية، وفي الوقت الذي بدأت فيه التحضيرات للانتخابات التشريعية الفلسطينية، تتصاعد حملات الاقتحام والاعتقال الإسرائيلية في الضفة الغربية، لتطال أسرى محررين وناشطين وشخصيات سياسية ومجتمعية، وسط مخاوف فلسطينية من أن تكون لهذه العمليات انعكاسات مباشرة على البيئة الانتخابية ومساحة الحركة المتاحة أمام القوى والمرشحين.
وتأتي هذه الاعتقالات، التي كان آخرها اليوم في مدينة نابلس، شمالي الضفة الغربية؛ حيث طالت 10 من المحسوبين على حركة النقاومة الإسلامية “حماس”، في سياق أوسع من الاقتحامات المتكررة التي لم تتوقف خلال الأشهر الماضية.
فقد شهدت محافظات الضفة خلال سبتمبر/أيلول حملات متتابعة طاولت مدنًا وبلدات ومخيمات عدة، فيما وثقت مصادر فلسطينية اعتقال عشرات الفلسطينيين في حملات متفرقة.
ففي 12 سبتمبر الجاري، مثلًا، اعتقلت قوات الاحتلال عددًا من الفلسطينيين خلال اقتحامات شملت جنين وبلدات وقرى في محيطها، فيما وثقت تقارير أخرى اعتقال أكثر من 100 فلسطيني خلال أسبوع واحد، بينهم أطفال ونساء وأسرى محررون وصحفيون.
ولا تبدو ظاهرة الاعتقالات المرتبطة بالنشاط السياسي جديدة على المشهد الفلسطيني، إذ تكررت خلال مراحل انتخابية سابقة، وشملت في أوقات مختلفة قيادات وكوادر وناشطين محسوبين على قوى المعارضة، ولا سيما حركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (أحد فصائل منظمة التحرير).
ويقول المحلل السياسي منصور عليان، في قراءة لهذه السياسة، إن الاعتقال الإسرائيلي في المراحل التي تسبق الاستحقاقات الانتخابية لا يمكن النظر إليه فقط باعتباره إجراءً أمنيًا منفصلًا عن السياق السياسي، مشيرًا في حديثه لـ”قدس برس” إلى أن استهداف شخصيات وناشطين معروفين في مناطقهم يمكن أن يترك أثرًا على قدرتهم على التواصل والحضور الميداني، خصوصًا إذا كانوا مرشحين محتملين أو أصحاب تأثير في القواعد الشعبية.
ويضيف أن أحد أوجه هذه السياسة يتمثل في “إخلاء الساحة من بعض الشخصيات المؤثرة”، سواء من خلال الاعتقال المباشر أو خلق حالة من الخوف والمراقبة تدفع آخرين إلى تقليص نشاطهم. ولا يعني ذلك، وفق القراءة ذاتها، أن كل معتقل مرتبط بالضرورة بالانتخابات، إذ إن الاعتقالات الإسرائيلية في الضفة سياسة مستمرة، لكن توقيتها وطبيعة الأسماء المستهدفة يمكن أن يمنحاها أثرًا سياسيًا إضافيًا.
ويشير عليان إلى بُعد آخر يتمثل في محاولة جمع المعلومات عن البيئة السياسية المحلية، وتحركات القوى والفصائل والمرشحين المحتملين، خاصة أن فترة ما قبل الانتخابات تشهد عادة اتصالات واسعة، وتشكيل قوائم، ولقاءات تنظيمية ومجتمعية، وهي معلومات قد تكون ذات قيمة بالنسبة إلى الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
رسالة إلى حماس والجبهة الشعبية
وتبرز، في هذا السياق، خصوصية استهداف شخصيات مرتبطة بحماس والجبهة الشعبية، باعتبار أن القوتين تمثلان تيارين سياسيين معارضين للسلطة الفلسطينية، فيما تستعد الساحة الفلسطينية لخوض انتخابات يفترض أن تفتح الباب أمام مشاركة سياسية أوسع.
ويرى الناشط باسل عبد الحق أن الاعتقالات تحمل كذلك رسالة سياسية تتجاوز الشخص المعتقل نفسه، مفادها أن النشاط السياسي والتنظيمي لهذه القوى يبقى تحت المراقبة، وأن الاحتلال يمتلك القدرة على الوصول إلى كوادرها في أي وقت.
ويقول لـ”قدس برس” إن هذا النوع من العمليات يمكن أن يخلق أثرًا نفسيًا في الشارع الفلسطيني، خصوصًا عندما تترافق الاعتقالات مع اقتحام المنازل وتفتيشها وإخضاع المعتقلين للتحقيق، بما يبعث برسالة إلى الناشطين والمرشحين المحتملين بأن النشاط السياسي قد تكون له كلفة أمنية.
لكن عبد الحق يرى أن تأثير هذه السياسة لا ينبغي تضخيمه، إذ إن التجربة الفلسطينية خلال العقود الماضية أظهرت أن الاعتقالات لم تؤدِّ إلى إنهاء حضور القوى التي استهدفتها إسرائيل. فقد استمرت حماس والجبهة الشعبية وغيرها من القوى في العمل السياسي والاجتماعي رغم موجات الاعتقال المتكررة.
وتشير البيانات الحقوقية إلى اتساع استخدام الاعتقال الإداري أيضًا؛ فقد سجلت مؤسسات حقوقية فلسطينية إصدار أو تجديد مئات أوامر الاعتقال الإداري خلال العام الحالي، ما يعكس استمرار الاعتقال كأداة واسعة النطاق، وليست مرتبطة فقط بمرحلة الانتخابات.
تجربة الأسرى المحررين
ومن أكثر الفئات التي تشعر بتأثير هذه السياسة الأسرى المحررون، الذين تقول المصادر الفلسطينية إنهم يتعرضون لاعتقالات متكررة بعد الإفراج عنهم.
ويقول الأسير المحرر جاد إسماعيل إن الاعتقال لا ينتهي فعليًا بالنسبة إلى كثير من الأسرى عند خروجهم من السجن، إذ تبقى احتمالات إعادة الاعتقال قائمة، خصوصًا بالنسبة إلى من يواصلون نشاطهم السياسي أو المجتمعي.
وبحسب إسماعيل، فإن إعادة اعتقال الأسرى المحررين قبيل الاستحقاقات السياسية يمكن أن تحرمهم من المشاركة في النقاش العام أو النشاط الانتخابي، كما يمكن أن تؤثر في عائلاتهم ومحيطهم الاجتماعي، وتدفع بعض الناشطين إلى الابتعاد عن الواجهة خشية الاعتقال.
وتظهر الوقائع الميدانية أن الاعتقالات لم تتوقف عند الناشطين السياسيين، بل طاولت خلال الأسابيع الماضية أسرى محررين وصحفيين ونساء وأطفالًا، ضمن حملات واسعة شملت معظم محافظات الضفة.
ففي 15 سبتمبر/أيلول، مثلًا، تحدثت تقارير عن اعتقالات في جنين وطولكرم وقلقيلية وطوباس ومناطق أخرى، بينها أسرى محررون.
هل تؤثر الاعتقالات في الانتخابات؟
رغم ذلك، يصعب الجزم بأن جميع الاعتقالات الحالية اتُّخذت حصرًا بهدف التأثير في الانتخابات؛ فالاعتقالات والاقتحامات الإسرائيلية مستمرة منذ سنوات، وتتصاعد أو تتراجع وفق اعتبارات أمنية وسياسية متعددة.
لكن التزامن الزمني بين تكثيف التحركات الانتخابية الفلسطينية وبين استمرار اعتقال ناشطين وشخصيات مؤثرة يفتح الباب أمام قراءة سياسية لهذه العمليات، خصوصًا أن الانتخابات تحتاج إلى بيئة تسمح بحرية الحركة والتواصل والدعاية والاجتماعات، وهي شروط يصعب توفيرها في ظل الاقتحامات والاعتقالات المتواصلة.
وتكتسب المسألة أهمية إضافية مع إعلان حركة فتح توجهها لخوض الانتخابات في قائمة وطنية، بالتوازي مع دعوتها إلى حوار وطني شامل، فيما تؤكد الحركة أن الانتخابات استحقاق لتعزيز الشرعية الفلسطينية.
وفي المحصلة، قد تنجح الاعتقالات في تعطيل نشاط بعض الأفراد أو إرباك تحركات بعض القوى لفترة محدودة، وقد تدفع شخصيات إلى إعادة حساباتها بشأن الترشح أو الظهور السياسي. لكن التجربة السابقة تشير إلى أن الاعتقال لم يكن كافيًا لإعادة تشكيل الخريطة السياسية الفلسطينية بصورة دائمة.
وهنا تكمن المفارقة: “كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي، يصبح الاعتقال الإسرائيلي عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد الفلسطيني، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع وحده تحديد نتائج الانتخابات أو إلغاء حضور القوى التي يستهدفها”؛ فالانتخابات، إن جرت، ستبقى محكومة أيضًا بموازين القوى الداخلية، وقدرة الفصائل على بناء القوائم، وحجم المشاركة الشعبية، وطبيعة البيئة السياسية التي ستسبق يوم الاقتراع.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY