على أعتاب حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، كانت مدرسة “الصابرين” تقف شاهدًا على إصرار الغزيين في انتزاع حق أطفالهم بالتعليم. ومن بين ألسنة النار، نسجت نهى أبو عودة مشروعًا تعليميًا صغيرًا من الخيام، بدأ يتسع تدريجيًا حتى احتضن أكثر من 600 طالب في المرحلة الابتدائية.
تقول أبو عودة: “كنت أظن أن الحرب مهما طالت لن تنتزع منا حق أطفالنا في التعليم، لكن أوامر الإخلاء الإسرائيلية واحتلال مدينة غزة دمّرا كل شيء، وقتلا آخر بارقة أمل كانت لدينا”.
وفي حديثها لمراسلة “قدس برس”، تضيف: “بدأت الفكرة في الأشهر الأولى من الحرب، حين لاحظتُ أن مئات الأطفال في حي الشيخ رضوان يقضون وقتهم في الشوارع بعد أن دُمرت مدارسهم، عندها قررت أن أُنشئ “مدرسة من خيمة”، جمعتُ فيها متطوعين من شباب الحي وبعض المدرّسين الذين فقدوا وظائفهم بسبب إغلاق المدارس”.
وتتابع: “استعنت بمجموعة من المبادرين الذين تبرعوا بمقاعد وطاولات وسبورات، وحتى القرطاسية للطلاب. شيئًا فشيئًا بدأ الأهالي يرسلون أبناءهم، وصار لدينا صفوف منظمة داخل الخيام. لم يكن لدينا جدران ولا كهرباء، لكن كان لدينا حلم”.
لكن أوامر الإخلاء لسكان حي الشيخ رضوان شكّلت وجعًا نخر قلب أبو عودة، بعد أن وجدت نفسها أمام واقع مرير: نزوح جماعي نحو غرب غزة وجنوب القطاع، ومدرستها الصغيرة بلا طلاب.
وتردف: “في صباحٍ واحد، اختفى ضجيج الأطفال من الخيام. الأهالي حملوا أبناءهم ورحلوا خوفًا من القصف والاعتقال. كنت أنظر إلى السبورات الفارغة والمقاعد المرتبة ولا أصدق أن كل شيء انتهى بهذه السرعة”.
وتشدد: “لقد عاش الطلاب فرحًا كبيرًا بالعودة إلى الدراسة ولو في خيمة. كانوا يكتبون ويقرأون وكأنهم في قصر، لكن عودة احتلال مدينة غزة دمّر كل شيء. الآن لم يعد هناك سوى الخوف والتهجير”.
الطالبة سائدة يونس، ابنة الصف الثامن الأساسي، تتحدث عن مدرستها الصغيرة التي التحقت بها بعد عودتها من النزوح في 19 يناير الماضي. يومها، كانت فرحتها لا توصف وهي تدخل خيمة بيضاء نُصبت كفصل دراسي مؤقت في حي الصبرة وسط مدينة غزة.
وتقول: “كنت أعتقد أنني فقدت مدرستي للأبد، لكن عندما رأيت الخيام والسبورات شعرت أن حياتي كطالبة عادت من جديد”.
وتضيف: “على مدار أشهر قليلة، درستُ أربع مواد أساسية “اللغة العربية، الإنجليزية، الرياضيات، والعلوم”. فبالرغم من الإمكانيات البسيطة، إلا أنني كنت أحرص على الحضور مبكرًا، حاملة دفتراً وقلماً حصلتُ عليهما من المساعدات”.
وتتابع: “كنت أجلس على المقعد وكأني في أجمل مكان بالعالم. لم نهتم أن فوقنا قماش خيمة بدلاً من سقف، المهم أننا نتعلم ونكتب ونشعر أننا مثل باقي الطلاب في العالم”.
وتردف: “شعرت أنني عدت طالبة من جديد، وأن الحرب لن تعود مرة أخرى لتسرقنا. كنت أظن أنني سأكمل العام الدراسي بهدوء، لكن فرحتنا لم تدم طويلًا. سرعان ما بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي عمليته لاحتلال مدينة غزة، ومعه عادت التهديدات بتهجير السكان قسرًا نحو الجنوب”.
وتؤكد: “حين سمعت أن الجيش يقترب من غزة وأن هناك تهديدًا بالتهجير، خفت كثيرًا. سأفقد مدرستي من جديد، وسأعود إلى النزوح والضياع”.
وكانت وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا” قد أعلنت أن مستلزمات تعليمية تكفي حوالي 370 ألف طالب في قطاع غزة لا تزال عالقة في الأردن بانتظار السماح بإدخالها.
وأكدت الوكالة أنها على أهبة الاستعداد لإيصال هذه المستلزمات فور رفع الحصار المفروض على القطاع، مشيرة إلى أن تمكين الأطفال من استئناف تعليمهم يشكل خطوة أساسية نحو التعافي بعد الحرب.
وقالت “أونروا” إن هذه المواد التعليمية تمثل “جسرًا للأمل والحياة الطبيعية” بالنسبة لأطفال غزة الذين حُرموا من الدراسة نتيجة الحرب والتدمير الواسع للمدارس.
ودعت الوكالة المجتمع الدولي إلى التحرك العاجل من أجل رفع القيود والحصار عن القطاع، بما يتيح للأطفال العودة إلى مقاعد الدراسة في أقرب وقت ممكن.
وتشن قوات الاحتلال الإسرائيلي، بدعم أمريكي مطلق، حرب إبادة جماعية على قطاع غزة، خلفت، وفق إحصائية يومية مفتوحة يعدها “المركز الفلسطيني للإعلام”، 64 ألفًا و605 شهيدًا، بالإضافة إلى 163 ألفًا و319 جريحًا، وأكثر من 10 آلاف مفقود، ومجاعة أودت بحياة المئات، فيما يعيش أكثر من مليوني فلسطيني في ظروف نزوح قسري وسط دمار شامل.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY