Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

من فلسطين إلى الكرك.. غضبٌ من الجريمة وتضامنٌ يرفض الفتنة: “الأردن وفلسطين واحد”

لم يكن إطلاق النار على المصلّين والمشيّعين في كنيسة حمود بمحافظة الكرك، جنوبي الأردن، اليوم الجمعة، جريمةً بحق الضحايا وعائلاتهم وحدهم، بل اعتداءً على حق الإنسان في الحياة والأمان، وعلى قيم التآخي التي جمعت الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، عبر أجيال.

ومن فلسطين، حيث تلاحق أخبار الضحايا بقلوب مثقلة بالحزن، ارتفعت أصوات على منصات التواصل الاجتماعي تدين الجريمة، وتعبّر عن التضامن الكامل مع الأردن، وتحذّر من تحويل الدماء إلى وقود للفتنة والكراهية.

وأسفر الهجوم المسلح الذي استهدف الكنيسة، أثناء مراسم تشييع جنازة، عن مقتل سبعة أشخاص وإصابة 34 آخرين، وفق الحصيلة التي أعلنتها السلطات الأردنية.

وبينما تواصل الأجهزة الأمنية تحقيقاتها لكشف ملابسات الاعتداء ودوافعه، تركزت مواقف فلسطينية على إدانة استهداف المدنيين ودور العبادة، والتأكيد أن الجريمة لا تمثل ديناً ولا وطناً، وأن المسؤولية تقع على مرتكبيها، لا على جماعة دينية بأكملها.

وعكست منشورات فلسطينية متداولة حالة من الغضب والحزن، لكنها حملت، في الوقت نفسه، رسائل واضحة ضد التحريض الطائفي ومحاولات استغلال الجريمة لتوسيع دائرة الكراهية. وبرز في هذه المواقف استحضار التاريخ المشترك بين الشعبين الأردني والفلسطيني، من روابط العائلات والعشائر إلى التضحيات المشتركة، وصولاً إلى الحضور المسيحي المتجذّر في المجتمعين.

الكرك ليست وحدها

ووصف الكاتب نهاد أبو غوش الجريمة بأنها “عدوان علينا جميعاً: أردنيين وفلسطينيين وعرباً، مسلمين ومسيحيين”، مؤكداً أن الأردن مثّل، وما زال، نموذجاً للعيش المشترك بين مكوناته، وأن المسيحيين الأردنيين حاضرون في مختلف ميادين العمل والعطاء، من مؤسسات الدولة إلى مجالات الثقافة والتعليم والرياضة والمعارضة الوطنية.

واستعاد أبو غوش، في موقفه، صلاته الشخصية بقرية حمود، التي زارها في خريف العام الماضي والتقى فيها أصدقاءه، مشيراً إلى ما يجمع أهلها من علاقات ومودة.

ولم يكن استحضاره لهذه الذكريات تفصيلاً عابراً؛ إذ نقل الجريمة من إطار الخبر العاجل إلى مساحة إنسانية تمسّ علاقات وصداقات وبيوتاً يعرفها الفلسطينيون، وتعيد التذكير بأن الضحايا ليسوا أرقاماً في حصيلة، بل أفراد وأسر ومجتمعات أصابها الفقد.

وشدد أبو غوش على ضرورة إظهار أعلى درجات الوحدة والتضامن، محذراً من أن تؤدي الجريمة إلى تداعيات سلبية، أو أن تُستغل لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية على نحو يمسّ الحريات. كما رأى أن من نتائجها الأولية المحتملة صرف الأنظار عن الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بما فيها مخططات التهجير والعقوبات الجماعية في الضفة الغربية، وهي قراءة سياسية عبّر عنها في منشوره، وليست نتيجة محسومة للتحقيق في الهجوم.

ويكتسب هذا التضامن دلالته من خصوصية العلاقة بين الأردن وفلسطين؛ فالجغرافيا المتجاورة لم تصنع وحدها هذه الصلة، بل عززتها العائلات الممتدة، والتاريخ المشترك، والتداخل الاجتماعي والثقافي، والتضحيات التي تجمع أبناء الشعبين. لذلك، بدا استهداف مواطنين مسيحيين في الأردن، بالنسبة إلى كثير من المعلقين الفلسطينيين، مصاباً يتجاوز حدود المكان والطائفة، ويصيب مجتمعاً تربطهم بأهله روابط يومية وشخصية ووطنية.

تيريزا هلسة تستحضر وحدة الدم

ومن بين المنشورات التي استحضرت الذاكرة الفلسطينية والأردنية، صورة المناضلة تيريزا هلسة، ابنة الكرك المسيحية الأردنية الفلسطينية، التي ارتبط اسمها بمرحلة من تاريخ النضال الفلسطيني.

واستخدم ناشطون صورتها للتذكير بأن الانتماء الديني لم يكن يوماً حاجزاً أمام المشاركة في النضال الوطني، وأن المسيحيين والمسلمين عاشوا تجارب مشتركة في مواجهة الاحتلال.

وكتب ناشطون تعليقاً على صورتها: “هذه تيريزا هلسة ابنة الكرك، المسيحية، الأردنية، الفلسطينية، العربية”، قبل أن يختصروا رسالتهم بالقول إن “الأردن وفلسطين واحد، وإن المسيحي والمسلم واحد، وإن الدم والتراب واحد”.

وفي هذا الاستحضار، لا تبدو تيريزا هلسة مجرد اسم من الماضي، بل رمزاً أراد الناشطون، من خلاله، مواجهة أي محاولة لرسم حدود طائفية بين أبناء المنطقة، أو تقديم المسيحيين باعتبارهم جماعة منفصلة عن محيطها الوطني والاجتماعي. فحكاية هلسة، كما استُدعيت في المنشورات، تؤكد أن الهوية الفلسطينية والأردنية تشكلت عبر مسارات متداخلة من المشاركة والتضحية والانتماء، وأن الاختلاف الديني لم يمنع أبناء المجتمع الواحد من الوقوف معاً في محطات مفصلية.

ووجّه أصحاب هذه المنشورات انتقادات حادة لكل من أبدى شماتة بالضحايا أو حاول توظيف الجريمة للتحريض على المسيحيين، معتبرين أن التضامن الحقيقي لا يقتصر على إدانة القتل، بل يشمل أيضاً رفض كل خطاب يهدد الأبرياء أو يبرر استهدافهم.

“الإسلام بريء من استباحة الدماء”

وفي مواجهة محاولات ربط الجريمة بالإسلام، شدد ناشطون ورجال دين فلسطينيون على أن قتل الأبرياء واستهداف دور العبادة يتناقضان مع المبادئ الدينية والأخلاقية، وأن الاختلاف في المعتقد لا يمنح أحداً حق الاعتداء على حياة الآخرين.

وكتب محمد عنابي أن جريمة الكرك “مدانة ومستهجنة وشنيعة”، مؤكداً أنها لا تمتّ إلى الإسلام بصلة، وأن القتل على أساس الاختلاف في الدين أو المعتقد يمثل انحرافاً عن القيم الإنسانية والمبادئ الدينية التي تنظّم علاقة المسلمين بغيرهم.

من جهته، استنكر سائد مرعي الجريمة بصورة قاطعة، مستشهداً بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم: “مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ”، ومؤكداً رفض الغدر واستباحة الدماء المعصومة بلا تبرير أو تأويل.

أما الشيخ عبد الناصر النوباني، فاعتبر الاعتداء على الكنيسة، وما أسفر عنه من قتل وإصابة لمواطنين مسيحيين مسالمين، انحداراً أخلاقياً وانحرافاً فكرياً وسلوكياً لا يمكن تبريره أو التساهل معه. وشدد على أن حفظ النفس وصيانة الكرامة الإنسانية من المبادئ الراسخة، وأن إدانة الجريمة واجب ديني ووطني وأخلاقي ينبغي أن يتجلى في المواقف الرسمية والشعبية على حد سواء.

وتلتقي هذه المواقف عند رسالة أساسية: لا يجوز استخدام الدين غطاءً للعنف، ولا تحويل الجريمة إلى مناسبة لإدانة جماعة كاملة أو الانتقاص من معتقداتها. فالمسؤولية الأخلاقية والقانونية تتعلق بالفعل الإجرامي ومن ارتكبه، فيما يتطلب كشف الدوافع والجهات المحتملة انتظار نتائج التحقيقات الرسمية، بعيداً عن التخمينات والشائعات.

“من بيت لحم.. رفضاً للكراهية”

ومن بيت لحم، كتب جورج قنواتي أن من يطلق النار على المصلّين والمعزّين لا يمثل ديناً ولا وطناً ولا إنسانية، معتبراً أن التطرف، حين يفقد احترام حياة الإنسان، يتحول إلى تجليات متعددة للكراهية.

وربط قنواتي بين الاعتداء على الكنيسة في الأردن وأشكال أخرى من استهداف دور العبادة ورجال الدين في المنطقة، من الاعتداء على الراهبات ورجال الدين إلى حرق المساجد واستهداف الكنائس. لكنه شدد على أن تعدد أشكال الاعتداء لا يبرر تعميم المسؤولية أو الرد بكراهية مضادة، بل يستدعي موقفاً مشتركاً يرفض العنف ويصون النسيج المجتمعي.

وأكد أن مسيحيي الشرق متجذّرون في أرضهم منذ قرون طويلة، وأنهم شركاء في بنائها وحمايتها، وأن العيش المشترك ليس شعاراً سياسياً، بل واقعاً يومياً تشكّل عبر التاريخ والعلاقات الاجتماعية والثقافية. وقال إن التطرف، مهما تعددت أشكاله، لن ينجح في كسر الوحدة الوطنية أو انتزاع الناس من جذورهم.

وفي السياق ذاته، دعا عمران عودة إلى عدم استغلال دماء الضحايا للتحريض على طائفة أو أصل، محذراً من أن من يحرّض على أبرياء آخرين باسم الحزن على الضحايا لا يواجه الجريمة، بل يوسّع دائرة الأذى التي خلّفتها. وأكد أن إدانة القتل يجب أن تترافق مع رفض الشماتة والعنصرية والطائفية، حتى لا يصبح الضحايا مدخلاً لتهديد أشخاص آخرين لا علاقة لهم بالجريمة.

كما عبّر حمزة حلسة عن إدانته للاعتداء، مؤكداً أنه لا يوجد مبرر ديني أو أخلاقي أو إنساني لاستهداف أناس عُزّل وآمنين، وأن مرتكبي هذه الأفعال لا يمثلون الإسلام ولا قيمه.

“لا للفتنة.. ولا لاستثمار دماء الضحايا”

وفي منشور أثار نقاشاً بشأن الجهة المحتملة التي تقف وراء الجريمة، ذهب الكاتب باسل رفيقي إلى اتهام إسرائيل وأطراف أخرى بالمسؤولية عنها، رابطاً الاعتداء بما وصفه بمحاولات ضرب التماسك المجتمعي الأردني.

غير أن هذه الاتهامات لم تثبتها المعلومات المتاحة عن التحقيق، ولا يجوز التعامل معها بوصفها حقيقة محسومة قبل إعلان نتائج رسمية موثوقة.

وتكشف هذه النقطة جانباً مهماً من النقاش الذي رافق الجريمة: فالغضب المشروع إزاء استهداف المدنيين لا ينبغي أن يتحول إلى مساحة لتداول اتهامات غير مثبتة، كما لا ينبغي أن يُستغل لتأجيج العداء بين الأديان أو المكونات الاجتماعية.

وفي بلدين تجمعهما روابط عميقة مثل الأردن وفلسطين، تصبح حماية الحقيقة جزءاً لا يتجزأ من حماية التضامن نفسه.

إن مواجهة الجريمة تبدأ بالمطالبة بكشف ملابساتها ومحاسبة مرتكبيها، لكنها لا تنتهي عند ذلك؛ بل تتطلب أيضاً رفض كل محاولة لإعادة إنتاج العنف في صورة تحريض أو انتقام أو تمييز. فالمجتمعات لا تحمي نفسها بتحميل الأبرياء ذنب غيرهم، وإنما بالتمسك بالعدالة والمواطنة المتساوية واحترام حرية الاعتقاد.

من فلسطين، جاءت الرسالة إلى الأردن واضحة: الحزن على ضحايا الكرك ليس مجاملة عابرة، والتضامن مع عائلاتهم لا يتوقف عند الكلمات. إنه تأكيد أن الاعتداء على مواطنين مسالمين في مكان للعبادة أو أثناء تشييع جنازة هو اعتداء على القيم التي تجمع الناس، مهما اختلفت أديانهم.

وفي الوقت الذي تنتظر فيه عائلات الضحايا معرفة مصير أحبائها، وتتعافى فيه أسر المصابين من صدمة الاعتداء، يبقى الواجب الإنساني الأول هو الوقوف إلى جانبهم، وتقديم العزاء والمواساة، ورفض كل خطاب يسعى إلى تحويل ألمهم إلى خصومة جديدة.

الكرك ليست وحدها في هذا المصاب؛ فقلوب فلسطينية كثيرة تقف معها، ومع الأردن وأهله، في مواجهة الجريمة وصون وحدة المجتمع. وبين الحزن والغضب، تبقى الرسالة التي حملتها المنشورات أكثر وضوحاً من أي خطاب تحريضي: لا مكان للفتنة بين أبناء الأرض الواحدة، ولا دين يبرر قتل الأبرياء، ولا تضامن صادق من دون دفاع عن كرامة الإنسان وحقه في الحياة والأمان.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY