لم تعد الأزمة الغذائية في قطاع غزة مجرد نقص في المواد الأساسية التي تحتاج إليها العائلات لتأمين وجباتها اليومية، بل تحولت إلى معركة متواصلة من أجل البقاء، في ظل تراجع المساعدات الإنسانية، وتقلص الخيارات المتاحة أمام السكان، واستمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول السلع الغذائية.
فبعد إعلان برنامج الأغذية العالمي تقليص مساعداته المقدمة لنحو نصف مليون فلسطيني، جاء منع الاحتلال إدخال البضائع الغذائية التجارية عبر معبر كرم أبو سالم إلى القطاع، ليضيف عبئًا جديدًا إلى واقع إنساني مثقل بالجوع والفقر والنزوح.
ويثير هذا التطور مخاوف متزايدة من اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي، خصوصًا أن المساعدات التي تقدمها المؤسسات الدولية تشكل شريان حياة لشرائح واسعة من السكان، الذين فقدوا مصادر دخلهم، وتضررت ممتلكاتهم، وأصبحوا عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية في ظل الانهيار الاقتصادي الذي يضرب القطاع.
وتتفاقم الأزمة مع منع إدخال الخضراوات والفواكه عبر الشاحنات التجارية، وفق المعطيات الواردة بشأن توقف دخول هذه الأصناف لعدة أيام، ما يثير مخاوف من تفاقم النقص في الأسواق، وارتفاع الأسعار، وتراجع قدرة المواطنين على الوصول إلى الغذاء الطازج.
وتكتسب هذه الأصناف أهمية خاصة في ظل الأوضاع الصحية والغذائية المتدهورة، إذ لا تقتصر الحاجة إلى الغذاء على توفير الخبز والدقيق والمواد الأساسية، بل تشمل أيضًا الحصول على الفيتامينات والمعادن والعناصر الضرورية للحفاظ على صحة الجسم، خصوصًا لدى الأطفال والنساء الحوامل والمرضى.
وحذّر خبير التغذية والتثقيف الصحي هشام حسونة من أن قطاع غزة يواجه تهديدًا لما تبقى من قدرة السكان على التعافي، موضحًا أن كثيرًا من الأسر تعتمد على المساعدات لتأمين وجبتها الأساسية، وأن تقليص هذه المساعدات، بالتزامن مع تعطل الإمدادات وارتفاع الأسعار، يعني وجبات أقل وغذاءً أقل تنوعًا، بما يفاقم سوء التغذية.
وقال حسونة، في حديثه لـ”قدس برس”، إن تحسن توفر الطعام لفترة لا يعني تعافي الأجسام، مشيرًا إلى أن كثيرًا من المواطنين ما زالوا يعانون الهزال وفقدان الكتلة العضلية ونقص العناصر الغذائية.
وأضاف أن استعادة الصحة تتطلب الحصول على غذاء كافٍ ومتنوع بصورة مستمرة، ومياه آمنة، وعلاج مناسب، لا مجرد توفر الخبز وسدّ الجوع.
وأوضح أن الخضراوات والفواكه تمثلان جزءًا أساسيًا من النظام الغذائي، وأن غيابهما يضيّق مصادر الفيتامينات والمعادن والألياف، لافتًا إلى أن الإنسان قد يشعر بالشبع بعد تناول الخبز والأرز، بينما يظل جسمه يعاني نقصًا في العناصر الغذائية. وأضاف أن نقص البروتين أيضًا يضعف قدرة الجسم على التعافي ومقاومة الأمراض.
وشدد حسونة على أن الأطفال، خصوصًا دون سن السنتين، والحوامل والمرضعات وكبار السن والمصابون بالأمراض المزمنة، هم الأكثر تأثرًا بنقص هذه الأغذية، موضحًا أن التعافي من العدوى والتئام الجروح يصبحان أكثر صعوبة لدى المصابين بسوء التغذية.
وأشار إلى أن من لم يتعافوا بالكامل من المجاعة السابقة يواجهون الحرمان الجديد باحتياطي غذائي أقل، ما يجعل تدهور حالتهم أسرع، موضحًا أن سوء التغذية يضعف المناعة، فيما يزيد المرض من حدة سوء التغذية.
وحذّر من أن أمراضًا مثل الإسهال والالتهاب الرئوي قد تصبح شديدة الخطورة على الأطفال المنهكين بسبب نقص الغذاء، مؤكدًا أن النجاة من المجاعة السابقة لا تعني القدرة على تحمّل مجاعة جديدة.
وأكد حسونة أن المطلوب حاليًا هو ضمان دخول الغذاء وتوزيعه بانتظام، واستمرار المساعدات، وتوفير الأغذية العلاجية للمصابين بسوء التغذية، إلى جانب المياه الآمنة والرعاية الصحية، مشددًا على أن السكان بحاجة إلى فرصة حقيقية للتعافي، وأن أي انقطاع جديد يهدد هذه الفرصة.
من جهته، قال المواطن محمد زياد إن منع الاحتلال إدخال البضائع الغذائية التجارية إلى القطاع يفاقم خطر نقص الفيتامينات والمعادن لدى السكان، الذين لم تتعافَ أجسادهم بعد من آثار المجاعة السابقة.
وأضاف زياد، في حديثه لـ”قدس برس”، أن منع إدخال الفواكه والخضراوات، بالتزامن مع تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته لنحو نصف مليون فلسطيني، قد يدفع القطاع إلى مرحلة جديدة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، لا سيما في ظل الإنهاك الجسدي الذي يعانيه السكان.
وأشار إلى أن هذه الإجراءات تأتي في وقت لم يتعافَ فيه الغزيون من الأوضاع التي عاشوها سابقًا، معتبرًا أن القرار يضع آلاف الأسر أمام مصير مجهول، في ظل عجزها عن تأمين أبسط احتياجاتها.
بدوره، حذّر التاجر إبراهيم نصر من أن استمرار القيود على إدخال البضائع الغذائية يفاقم الأزمة في القطاع، ويزيد من صعوبة حصول السكان على احتياجاتهم الأساسية، في ظل تحكم الاحتلال بالسلع المسموح بدخولها وكمياتها.
وقال نصر، في حديثه لـ”قدس برس”، إن الاحتلال، إلى جانب بعض كبار التجار، يتحكم بقوت الغزيين، ويدفعهم إلى حافة الانهيار من دون إتاحة هامش كافٍ للتعافي، خصوصًا أن هذه الإجراءات تأتي بالتزامن مع تراجع التمويل الدولي المخصص للقطاع.
وأوضح أن ما وصفه بهندسة تقنين إدخال البضائع الغذائية قد يؤدي إلى تجدد المجاعة بصورة تدريجية، من خلال السماح بدخول كميات محدودة من السلع وطرحها بأسعار مرتفعة، بما يجعل الحصول عليها خارج قدرة كثير من العائلات، ويضع أمنها الغذائي تحت رحمة تقلبات السوق.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY