من جديد، صعدت لاعبة الكاراتيه الفلسطينية مريم بشارات (17 عامًا) إلى منصة التتويج لتتقلد الميدالية الذهبية، بعد حصولها على المركز الأول في بطولة العالم للناشئين والشباب وتحت 21 عامًا، التي استضافتها مدينة “بيلسكو بياوا” البولندية، بعدما تغلبت على الإسبانية “نوا لوبيز غونزاليس” بنتيجة 3-1 في نهائي منافسات “الكوميتيه” لوزن تحت 66 كغم، أمس السبت، لتضيف إنجازًا عالميًا جديدًا إلى سجلها الرياضي، وتؤكد حضورها بين أبرز المواهب الصاعدة في اللعبة على المستوى الدولي.
وجاء تتويج بشارات بعد مشوار قوي في البطولة، وبلوغها المباراة النهائية وحسمها لمصلحتها، في إنجاز يعكس سنوات من التدريب والعمل، ودعمًا عائليًا رافقها منذ طفولتها، رغم الصعوبات التي تواجه الرياضيين الفلسطينيين، وفي مقدمتها الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تعيق التنقل بين المدن، إلى جانب محدودية الإمكانات المالية المتاحة للتدريب والمشاركة في البطولات الخارجية.
ولا تمثل الذهبية الجديدة محطة عابرة في مسيرة اللاعبة النابلسية؛ ففي تشرين الأول/ أكتوبر 2024، عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، أحرزت ذهبية بطولة العالم للناشئين والشباب وتحت 21 عامًا، التي أقيمت في مدينة البندقية الإيطالية، لتصبح أول لاعبة فلسطينية تحقق هذا الإنجاز في البطولة ذاتها.
وقالت اللجنة الأولمبية الفلسطينية، في منشور عبر حسابها على موقع “فيسبوك”، إن هذا الإنجاز يشكل محطة مهمة في مسيرة البطلة، التي سبق أن حققت نتائج مميزة في بطولات العالم وآسيا والدوري العالمي، مشيرة إلى أنه يعكس تطور حضور رياضة الكاراتيه الفلسطينية في المنافسات الدولية.
عائلة رياضية صنعت الموهبة
وبدأت مريم ممارسة الكاراتيه في سن الرابعة، في بيئة عائلية ارتبطت بهذه الرياضة؛ إذ يشغل والدها أمين بشارات منصب الحكم الدولي، وسبق له ممارسة اللعبة، وهو مدربها الحالي، فيما مارست والدتها الكاراتيه أيضًا، لتجد اللاعبة في أسرتها سندًا مبكرًا أسهم في تطوير موهبتها وصقل قدراتها.
وقال أمين بشارات، وهو حكم دولي ومدرب، لـ”قدس برس”، إن علاقته بالكاراتيه تمتد لأكثر من ثلاثين عامًا، وإنه شجّع أشقاءه وشقيقاته على ممارسة اللعبة، قبل أن تنتقل التجربة إلى أبنائه، وصولًا إلى عائلة رياضية يبلغ عدد ممارسي الكاراتيه فيها 32 لاعبًا.
وأضاف أن مريم أظهرت تميزًا منذ طفولتها، وتمكنت من تطوير أدائها بسرعة، بفضل ما تتمتع به من بديهة عالية وقدرة على الاستجابة للتعليمات، وهو ما ساعدها على التقدم في مستويات اللعبة والوصول إلى منصات التتويج.
وأكد أن الظروف الصعبة التي تعيشها نابلس، شمالي الضفة الغربية، في ظل الحواجز العسكرية الإسرائيلية التي تعيق الحركة من المدينة وإليها، لم تمنع ابنته من مواصلة مسيرتها، مشددًا على أن الإرادة تبقى عاملًا أساسيًا في تجاوز العقبات وتحقيق الأهداف.
وتكشف تجربة مريم عن دور الأسرة في احتضان المواهب الرياضية الفلسطينية، في ظل محدودية فرص التدريب والاحتكاك المنتظم بلاعبات ولاعبين من أندية مختلفة، وهي عوامل تكتسب أهمية خاصة في رياضة تعتمد على الاستعداد البدني والذهني والتطور المستمر من خلال المشاركة في البطولات.
عشر سنوات من العمل لتحقيق الحلم
وعن رحلتها نحو العالمية، أوضح بشارات أنه عمل مع ابنته، وبدعم من عائلتها والنادي الذي نشأت فيه، على مدى عشر سنوات، من أجل الوصول إلى بطولة العالم والفوز بإحدى ميدالياتها، معتبرًا أن لحظة صعودها إلى منصة التتويج حملت معنى يتجاوز الإنجاز الشخصي.
وقال إن شعوره، بصفته أبًا ومدربًا، بالفوز ارتبط بتحقيق حلمه وحلم ابنته وعائلتهما، وكذلك حلم فلسطين، مضيفًا أن رفع العلم الفلسطيني، وعزف النشيد الوطني، والتعريف بالقضية الفلسطينية في محفل رياضي دولي، كانت أهدافًا سعوا إلى تحقيقها منذ بداية مسيرتهم الرياضية.
ولم تكن الذهبية الأخيرة إنجازها الوحيد خلال الأعوام الماضية؛ فقد أحرزت مريم ذهبية الدوري العالمي للكاراتيه في الفجيرة بالإمارات عام 2023، وفضية بطولة غرب آسيا في عمّان في العام نفسه، ثم ذهبية الدوري العالمي في لاكورونيا عام 2024، وبرونزية الدوري العالمي في برنيتش بكوسوفو، وذهبية بطولة آسيا في مانيلا بالفلبين خلال العام ذاته، قبل أن تضيف ذهبية بطولة العالم إلى سجلها.
وتعكس هذه النتائج مسيرة متصاعدة للاعبة الفلسطينية، التي تمكنت من الجمع بين التفوق في بطولات قارية ودولية، رغم ما تواجهه من صعوبات في الوصول إلى التدريبات والبطولات، والحاجة إلى موارد مالية أكبر تتيح للرياضيين الفلسطينيين فرصًا أكثر انتظامًا للمشاركة والتطور.
تحديات خارج بساط الكاراتيه
ولا تنفصل رحلة بشارات الرياضية عن واقع الحركة اليومية في الأراضي الفلسطينية. فقد تحدثت عن الصعوبات التي تواجهها في التنقل بحرية داخل فلسطين، بسبب الحواجز الإسرائيلية التي تفصل المدن والتجمعات الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من صعوبة الاحتكاك بلاعبين من أندية أخرى والاستفادة من فرص التدريب المشترك.
كما أشارت إلى أن محدودية الدعم المالي تشكل عقبة إضافية أمام اللاعبين الفلسطينيين، مقارنة بالإمكانات المتاحة لنظرائهم في دول أخرى، الأمر الذي يجعل الاستمرار في المنافسات الدولية بحاجة إلى جهود عائلية ومؤسسية متواصلة.
وفي ظل هذه الظروف، حملت مشاركتها الأخيرة أبعادًا وطنية إلى جانب قيمتها الرياضية. وقالت إن ما تشهده فلسطين منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ترك أثرًا لديها، لكنها حوّلت ذلك إلى دافع إضافي لتحقيق الفوز ورفع العلم الفلسطيني، والتعبير عن تطلعات الفلسطينيين، ولا سيما أبناء قطاع غزة، في محفل دولي كبير.
وأضافت أن الرياضي لا يستطيع عزل نفسه عما يجري في بلده، موضحة أن الأحداث التي يعيشها الفلسطينيون دفعتها إلى العمل من أجل تحقيق أحلام أشخاص كثيرين لم تتح لهم الظروف فرصة تحقيق أحلامهم، وأن يكون إنجازها وسيلة لإيصال صوتهم إلى العالم.
وبذهبيتها الجديدة، تجدد مريم بشارات حضور الرياضة الفلسطينية على منصات التتويج العالمية، وتقدم تجربتها مثالًا على قدرة المواهب الشابة على تحقيق الإنجازات رغم القيود والصعوبات. وبين دعم عائلتها وإصرارها الشخصي، تواصل اللاعبة النابلسية بناء مسيرتها، حاملة طموحًا يتجاوز الميداليات إلى تمثيل فلسطين وإبقاء اسمها حاضرًا في البطولات الدولية، في رحلة بدأت بطفلة دخلت بساط الكاراتيه في الرابعة من عمرها، ووصلت اليوم إلى قمة العالم مرتين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY