Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

موسم الزيتون في مرمى الاستيطان.. لماذا تحولت شجرة الزيتون إلى هدف للمستوطنين؟

مع بدء موسم قطف الزيتون في الضفة الغربية، تتجدد اعتداءات المستوطنين على المزارعين الفلسطينيين وحقولهم، في مشهد يتكرر كل عام، لكنه لا يقتصر على الاعتداء على محصول زراعي أو إتلاف أشجار، بل يرتبط بصراع أوسع على الأرض والوجود، وحق الفلسطيني في الوصول إلى أرضه واستثمارها.

وتتنوع هذه الاعتداءات بين طرد المزارعين من أراضيهم، ومنعهم من الوصول إليها، وسرقة ثمار الزيتون، والاعتداء الجسدي عليهم، وقطع الأشجار واقتلاعها وحرقها، فيما تتركز نسبة كبيرة منها في المناطق المحاذية للمستوطنات والبؤر الاستيطانية.

ويكتسب استهداف موسم الزيتون خصوصية إضافية بالنظر إلى المكانة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تحتلها الشجرة في حياة الفلسطينيين؛ إذ ترتبط بالأرض الموروثة، وذاكرة العائلات، وموسم سنوي تشارك فيه الأسرة الفلسطينية بمختلف أفرادها.

تعليمات سياسية وفتاوى دينية

ويرى الخبير في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، في حديث لـ”قدس برس”، أن فهم ما يجري خلال موسم الزيتون لا ينبغي أن يقتصر على اعتداءات المستوطنين بوصفها أعمالا فردية منفصلة.

ويقول شديد: “لكي نفهم ما يحدث، فإن هؤلاء المستوطنين الذين يهاجمون قاطفي الزيتون في كل مكان، إنما ينفذون تعليمات سياسية وفتاوى دينية، والحكومة تمولهم، والجيش يحميهم”.

ويضيف أن تكرار الاعتداءات في مناطق مختلفة، وتزامنها مع موسم قطف الزيتون، يطرحان، برأيه، أسئلة تتجاوز سلوك الأفراد إلى البيئة السياسية والأمنية التي تسمح باستمرار هذه الاعتداءات.

ويتزامن ذلك مع توثيق منظمات دولية وحقوقية لحوادث رافقت فيها قوات الاحتلال مستوطنين، أو تدخلت خلال اعتداءات استهدفت مزارعين فلسطينيين، إلى جانب فرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم الزراعية.

“يستوطنون كل شيء”

من جهته، يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي صلاح العواودة أن المستوطنين “يدركون جيدا أهمية الموسم للفلسطينيين”، وأن استهدافه يأتي، وفق قراءته، ضمن هدف أوسع يتمثل في التضييق على الفلسطينيين في تفاصيل حياتهم.

ويقول العواودة لـ”قدس برس”: “هدفهم التضييق على الفلسطينيين في كل شيء وليس الزيتون فقط”.

ويضيف: “كما أنهم يستوطنون كل شيء وليس الأرض فقط؛ يستوطنون الأرض والثقافة والفن والطعام ووسائل العيش في الجبال”.

ويشير إلى أن مظاهر الحياة الريفية نفسها أصبحت، في قراءته، جزءا من الصراع، موضحا أن الأمر يشمل “الدحية والرعي وحلب الماشية وركب الحمار والطبخ على النار”، في إشارة إلى ما يراه محاولة لفرض حضور استيطاني على تفاصيل الحياة المرتبطة بالريف الفلسطيني.

لماذا شجرة الزيتون؟

ويؤكد العواودة أن الزيتون لا يمثل للفلسطيني مجرد مصدر رزق، بل يحمل “قدسية” خاصة، ولذلك فإن الاعتداء عليه يترك أثرا يتجاوز الخسارة الاقتصادية.

ويقول إن المستوطنين يدركون هذه المكانة، ولذلك يركزون على شجرة الزيتون، مشيرا إلى أن الاعتداء عليها تحديدا يكشف، وفق قراءته، طبيعة العلاقة مع المكان.

ويضيف أن شعوب منطقة البحر المتوسط تنظر إلى الزيتون بوصفه شجرة ذات قيمة ثقافية وتاريخية، قائلا: “فلا تقلعها ولا تقطعها ولا تحرقها”، بينما يرى أن قيام المستوطنين بهذه الأفعال يمثل تحديا متعمدا لهذه الرمزية.

ويقول العواودة: “لكنهم هم يفعلون ذلك كنوع من التحدي وبهدف إيلام الفلسطيني بأكبر قدر ممكن”.

من الضرر الاقتصادي إلى كسر العلاقة بالأرض

ولا تتوقف الخسارة الناتجة عن الاعتداءات عند قيمة محصول موسم واحد؛ فاقتلاع شجرة زيتون معمرة يعني إتلاف مورد يمكن أن يستمر إنتاجه لعقود، فيما يؤدي منع المزارع من الوصول إلى أرضه إلى إضعاف قدرته على زراعتها والعناية بها.

وتشير تقارير أممية إلى أن القيود المفروضة على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم، إلى جانب اعتداءات المستوطنين، تؤثر في موسم الزيتون، خصوصا في الأراضي القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.

موسم القطاف.. اختبار سنوي للسيطرة على الأرض

وتكشف اعتداءات موسم الزيتون عن جانب من طبيعة الصراع في المناطق الريفية بالضفة الغربية؛ فالمواجهة لا تدور فقط حول ملكية الأرض على الورق، وإنما أيضا حول القدرة على الوصول إليها والعمل فيها وحمايتها والحفاظ على الوجود اليومي فيها.

ومن هنا، فإن استهداف المزارع أثناء موسم القطاف يحمل أبعادا متعددة؛ اقتصادية من خلال الإضرار بالمحصول، واجتماعية عبر تعطيل موسم عائلي متوارث، ونفسية من خلال بث الخوف، وسياسية عبر التأثير في قدرة الفلسطيني على تثبيت حضوره في أرضه.

وفي هذا السياق، تبدو شجرة الزيتون أكثر من مجرد شجرة مثمرة؛ فهي تختصر علاقة الفلسطيني بالأرض، وتحمل ذاكرة أجيال متعاقبة، ولذلك فإن الاعتداء عليها يتحول، في الوعي الفلسطيني، إلى اعتداء على جزء من هذه العلاقة.

وبينما تتكرر الهجمات مع كل موسم جديد، يبقى السؤال الأوسع: هل يستطيع الفلسطيني الوصول إلى أرضه وقطف ثماره دون خوف، أم أن موسم الزيتون نفسه أصبح ساحة أخرى لإعادة رسم واقع السيطرة على الأرض؟

وهكذا تتحول شجرة الزيتون، في قلب موسمها السنوي، إلى واحدة من أبرز ساحات الصراع على الأرض والوجود، حيث يصبح الوصول إلى الحقل وقطف الثمر جزءا من معركة يومية للحفاظ على العلاقة بالأرض والبقاء فيه

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY