Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

ماذا بقي على موائد اللاجئين الفلسطينيين في سوريا؟

بين تأمين وجبة تكفي أفراد الأسرة، وتسديد إيجار المنزل، وشراء دواء لا يحتمل التأجيل، تتوزع هموم أسر فلسطينية في سوريا، تجد نفسها أمام حسابات يومية صعبة تفرضها محدودية الدخل وتكاليف الاحتياجات الأساسية.

وفي بيوت أثقلتها سنوات الحرب والنزوح، يتحول تقليص المائدة إلى وسيلة لتدبير النفقات، فيما يترك تأجيل الاحتياجات والاستدانة أعباء تتراكم من شهر إلى آخر، وتحد من قدرة العائلات على استعادة استقرارها.

طبخة تكفي ليومين

تراجع “أم محمد” اللاجئة الفلسطينية التي تقيم مع زوجها وأبنائها الأربعة في مخيم “السبينة”، ما تبقى من مؤونة المنزل قبل أن تقرر وجبة اليوم. ولم يعد اختيار الطعام مرتبطا برغبات أفراد الأسرة بقدر ارتباطه بالمبلغ المتاح بين يديها.

يعمل زوجها بأجر يومي، لكن فرص العمل لا تتوافر باستمرار، ما يجعل الأسرة عاجزة عن تخصيص ميزانية ثابتة للغذاء، ويضطرها إلى تغيير أولوياتها كلما انقطع الدخل.

وتقول: “قبل التفكير في الطعام الذي سأعده، أحسب ما تبقى لدينا من المال. أطبخ أحيانا العدس أو البرغل بكمية تكفينا ليومين، أما اللحوم فلم نعد نشتريها إلا على فترات متباعدة، عندما تسمح ظروفنا بذلك”.

وتحاول الأم تنويع الوجبات باستخدام المواد المتاحة، لكنها تضطر إلى تقليص شراء الفاكهة ومشتقات الحليب، والاكتفاء بكميات محدودة من أصناف اعتادت الأسرة وجودها على المائدة.

وتضيف: “نستطيع نحن الكبار تحمل الحرمان، لكن الأمر يصبح أصعب عندما يطلب أحد الأطفال طعاما يحبه ولا أستطيع شراءه. أعده بأن أحضره لاحقا، وقد تمر أيام دون أن أتمكن من الوفاء بوعدي”.

ومع كل مصروف مدرسي أو حاجة طارئة للعلاج، تعيد ترتيب حساباتها، وتؤجل شراء بعض المواد حتى تتمكن من تغطية الالتزام الجديد.

الإيجار يستنزف الدخل

أما “أبو محمود”، وهو عامل فلسطيني يقيم مع زوجته وأبنائه الثلاثة في منزل مستأجر ببلدة حجيرة بريف دمشق، فيخصص أول ما يحصل عليه من دخل لأجرة المسكن البالغة 200 دولار شهريا، خشية تراكمها وعجزه عن السداد.

غادر منزله في مخيم اليرموك خلال سنوات الحرب، ويأمل العودة إليه، لكن تكاليف إصلاحه تتجاوز إمكاناته، فيما يستنزف الإيجار المال الذي كان يتمنى ادخاره للترميم.

ويقول: “كلما دفعت إيجار المنزل، فكرت في أن هذا المبلغ كان يمكن أن يساعدني في إصلاح بيتي. لكن الترميم يحتاج إلى مبلغ لا أملكه، وما أجنيه بالكاد يغطي نفقاتنا اليومية”.

وبعد تسديد الإيجار وتكاليف المواصلات والخدمات، يوزع ما تبقى على الطعام واحتياجات أبنائه. وحين يتوقف العمل، يشتري بالدين من البقال، أو يقترض من أحد معارفه إلى حين الحصول على فرصة جديدة.

ويضيف: “نستدين لنكمل الشهر، وعندما أحصل على أجر أسدد الديون السابقة، فلا يبقى ما يكفي للمرحلة التالية. وهكذا نعود إلى الاستدانة، دون أن نتمكن من الخروج من هذه الدائرة”.

ويشرح أن الأسرة تخفض نفقاتها الغذائية بشراء كميات أقل، وتكرار الوجبات الأقل تكلفة، والاستغناء عن أصناف لم تعد قادرة على تحمل ثمنها.

الدواء قبل احتياجات أخرى

وفي مخيم جرمانا، تحاول “أم خالد”، وهي أرملة فلسطينية مسنة، الموازنة بين حاجتها المستمرة إلى الدواء ونفقات الطعام والخدمات، معتمدة على مساعدة عائلية تتفاوت بحسب ظروف أبنائها.

وتقول: “أحرص على تأمين الدواء أولا، ثم أوزع ما يتبقى على احتياجات المنزل. أعد وجبات بسيطة، وأحاول أن تكفيني المواد الموجودة لأطول مدة ممكنة”.

وتتردد في طلب مساعدة إضافية من أبنائها، الذين يتحملون بدورهم نفقات أسرهم وإيجارات مساكنهم، لكنها تجد نفسها أحيانا أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها وحدها.

وتضيف: “أعرف أن لكل واحد منهم التزامات وأطفالا ومصاريف، ولذلك أحاول ألا أثقل عليهم. لكن المرض لا ينتظر تحسن الظروف، وهناك احتياجات لا يمكن تأجيلها”.

ولا يقتصر قلقها على تدبير الشهر الحالي؛ فالحاجة إلى فحص طبي أو شراء دواء إضافي قد تربك ميزانيتها كاملة، وتضطرها إلى طلب مبلغ جديد يصعب توفيره.

استقرار يبدأ من البيت

تتقاطع في هذه الحالات أعباء العمل غير المنتظم والسكن والعلاج، لتجعل تأمين الغذاء جزءا من أزمة معيشية أوسع. فالأسرة التي تتمكن من شراء طعامها اليوم قد تواجه في اليوم التالي التزاما يستنزف ما تبقى لديها. ويزيد ارتفاع أسعار الطاقة وكلفة وسائل التدفئة من هذه الأعباء، مع بدء الأسر التفكير في تأمين احتياجاتها على أعتاب الشتاء.

وتطرح هذه الاحتياجات أسئلة بشأن كفاية المساعدات المتاحة للاجئين الفلسطينيين، ومدى وصولها إلى الأسر الأشد حاجة، ودور الأونروا والجهات الإغاثية في مساندتها، إلى جانب توفير فرص دخل أكثر استقرارا.

وتبقى قدرة العائلات على تأمين الغذاء والسكن والعلاج دون استدانة متواصلة معيارا أساسيا لتحسن معيشتها؛ إذ لا يكتمل التعافي بالنسبة إليها ما دامت مضطرة إلى المفاضلة اليومية بين احتياجات لا يمكن الاستغناء عنها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY