لم تعد مواقف أمين سر اللجنة المركزية لحركة “فتح” جبريل الرجوب بشأن الانتخابات الفلسطينية تقتصر على النقاش حول موعد الاستحقاقات الانتخابية، بل فتحت الباب أمام أسئلة أوسع تتعلق بقواعد المرحلة السياسية المقبلة، وآليات انتقال السلطة، وشكل النظام السياسي بعد الرئيس محمود عباس.
ويبرز في مواقف الرجوب الأخيرة إصراره على أن الانتخابات الرئاسية يجب أن تسبق الانتخابات التشريعية، في موقف يتعارض مع المسار المعلن لإجراء الانتخابات التشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
وفي تموز/يوليو، وصف الرجوب تأجيل انتخابات عام 2021 بأنه “خطأ استراتيجي”، ودعا إلى البدء بانتخابات رئاسية يتم خلالها التوافق على شخصية وطنية جامعة، قبل الانتقال إلى الانتخابات التشريعية وإعادة ترتيب مؤسسات منظمة التحرير.
وفي أيلول/سبتمبر، ذهب الرجوب أبعد من ذلك، باستبعاده إجراء الانتخابات التشريعية في موعدها، قائلًا إن الظروف الحالية لا تسمح بإجرائها، وإن إصدار مرسوم الانتخابات كان ينبغي أن يسبقه حوار وطني للتوافق على آليات الاستحقاق. كما دعا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية أولًا، مؤكدًا في الوقت نفسه أن الانتخابات يجب أن تبقى “الخيار الاستراتيجي” وطريق الوصول إلى الحكم.
ويضع هذا الموقف الرجوب في مواجهة مع المسار المعلن للانتخابات التشريعية، لكنه لا يعني في المقابل قطيعة مع مؤسسات السلطة أو مع شرعية الرئيس عباس.
وفي تصريحات حديثة، شدد الرجوب على أن الشرعية لا تعني إدارة النظام بعيدًا عن المؤسسات، وانتقد ما وصفه بإدارة بعض الملفات بصورة منفردة، مع تأكيده أن انتقال السلطة ينبغي أن يتم عبر الانتخابات وليس خارج صندوق الاقتراع.
ياسين عز الدين: “معارضة مصطنعة” لا تغيّر قواعد اللعبة
ويرى الكاتب السياسي ياسين عز الدين أن قراءة مواقف الرجوب لا يمكن فصلها عن موقعه داخل حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية.
ويقول عز الدين، في حديث لـ”قدس برس”، إن الرجوب يحاول تقديم نفسه بصورة مختلفة أمام الشارع الفلسطيني، من خلال تبني خطاب ينتقد بعض سياسات القيادة، ويدعو إلى المصالحة والانتخابات ويرفض التوريث، لكنه يرى أن هذا الخطاب لا يعني بالضرورة انتقال الرجوب إلى موقع معارض حقيقي للسلطة.
ويعتبر عز الدين أن الرجوب “يحاول أن يجمل نفسه ويكسب شعبية من خلال معارضة مصطنعة”، مضيفًا أنه “في اللحظات الحاسمة ينحاز إلى عباس والسلطة”، ولذلك يرى أن ما يطرحه أقرب إلى “معارضة شكلية ومصطنعة” لا تغيّر جوهر المعادلة السياسية.
ويطرح عز الدين سؤالًا حول مدى جدية هذا الخطاب؛ فالرجوب، بحسب رؤيته، يدعو منذ سنوات إلى المصالحة مع الفصائل، لكنه لم يقدم نموذجًا سياسيًا مختلفًا يضمن تنفيذها فعليًا.
كما يتساءل عما سيفعله الرجوب في حال أصر عباس على المضي في برنامجه الانتخابي والسياسي رغم اعتراضات الرجوب.
وتضع هذه القراءة تصريحات الرجوب في إطار صراع داخلي على اتجاه حركة “فتح” ومستقبل قيادتها، أكثر من كونها خروجًا كاملًا من داخل المنظومة.
نبهان خريشة: خطاب الرجوب يعكس صراعًا على شكل المرحلة المقبلة
في المقابل، يقرأ الكاتب والمحلل السياسي نبهان خريشة مواقف الرجوب باعتبارها مؤشرًا على مرحلة جديدة من التنافس داخل حركة “فتح”.
ويرى خريشة أن تصريحات الرجوب لا تقتصر على خلاف إجرائي بشأن ترتيب الانتخابات، وإنما تعكس اعتراضًا على مسارات محتملة في مرحلة ما بعد عباس، خصوصًا في ظل النقاشات المتزايدة حول ترتيبات مستقبل القيادة.
ويشير خريشة إلى أن الرجوب لم يوجه انتقادًا مباشرًا للرئيس عباس، لكنه يقدم نفسه بوصفه شخصية إصلاحية من داخل الحركة، تنتقد آليات إدارة النظام من دون المساس بشرعية المؤسسة.
ووفق هذه القراءة، فإن هذا الخطاب قد يسمح له بمخاطبة كوادر “فتح” التي تبحث عن تغيير داخلي من دون الذهاب إلى الانقسام أو القطيعة مع الحركة.
ويربط خريشة كذلك بين موقف الرجوب من ترتيب الانتخابات ومعركة النفوذ داخل “فتح”، إذ يرى أن تقديم الانتخابات الرئاسية قد يغيّر طبيعة المنافسة، في حين أن إجراء الانتخابات التشريعية أولًا يمكن أن يعيد تشكيل المؤسسات السياسية والتنظيمية قبل الانتقال إلى الاستحقاق الرئاسي.
الخلافة.. العقدة الأكبر
لا تتوقف قضية الرجوب عند الانتخابات، بل تتصل بسؤال أوسع يتعلق بمن يملك حق تحديد شكل المرحلة الفلسطينية المقبلة.
فبعد تعيين حسين الشيخ نائبًا للرئيس في 2025، وبروز شخصيات أخرى داخل اللجنة المركزية لـ”فتح”، من بينها ياسر عباس ومحمود العالول وماجد فرج وجبريل الرجوب، باتت مسألة الخلافة محل تنافس داخل الحركة، وفق تحليلات ومتابعات عدة. وكان معهد واشنطن قد أشار في تحليل سابق إلى استمرار التنافس بين شخصيات بارزة في “فتح” بشأن مرحلة ما بعد عباس، فيما تناول تحليل أحدث للمعهد موقع الرجوب والعالول في مواجهة صعود حسين الشيخ داخل الحركة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم رفض الرجوب لمفهوم “التوريث” باعتباره جزءًا من نقاش أوسع حول قواعد انتقال القيادة: هل يتم الانتقال عبر التوافق داخل مؤسسات “فتح”، أم من خلال ترتيبات داخل مؤسسات السلطة، أم عبر انتخابات شعبية، أم من خلال مزيج من هذه الآليات؟
وتزداد أهمية هذا السؤال مع بروز خلافات داخلية في “فتح” بشأن إدارة الحركة وترتيباتها القيادية؛ إذ سبق أن قاطع الرجوب ومحمود العالول اجتماعات للجنة المركزية احتجاجًا على انتخاب حسين الشيخ نائبًا لرئيس الحركة، في مؤشر على وجود تباينات داخلية تتجاوز ملف الانتخابات إلى شكل القيادة وآليات اتخاذ القرار.
موقع حساس
تضع مواقف جبريل الرجوب الأخيرة الرجل في موقع سياسي حساس داخل حركة “فتح”: ينتقد بعض آليات إدارة السلطة، لكنه لا يعلن الخروج على منظومتها؛ يدعو إلى المصالحة، لكنه جزء من القيادة التي لم تتمكن حتى الآن من إنهاء الانقسام؛ ويطالب بالانتخابات، لكنه يربط إجراءها بحوار وطني وتوافق على آلياتها.
وبذلك، لا يبدو الخلاف حول تقديم الانتخابات الرئاسية على التشريعية مجرد خلاف تقني على جدول زمني، بل يتصل أيضًا بالأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة: من يحدد قواعد الانتقال؟ وما المؤسسات التي تملك القرار؟ وكيف تُعاد صياغة العلاقة بين السلطة و”فتح” ومنظمة التحرير والفصائل الفلسطينية؟
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY