Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

حين حفروا قبره ولم يأتِ الجثمان.. الاحتلال يؤجل وداع الشهيد مروان حرز الله

لم تكن عائلة الشهيد الأسير مروان فتحي حرز الله، من مخيم “العين” في نابلس شمالي الضفة الغربية، تنتظر خبرًا جديدًا صباح الخميس، بقدر ما كانت تنتظر لحظة طال انتظارها منذ أشهر؛ أن يعود مروان أخيرًا إلى بيته، ولو محمولًا على الأكتاف، وأن تبدأ العائلة مراسم وداعه ودفنه. لكن شيئًا آخر حدث.

قبل ساعات من الموعد المقرر لتسليم جثمانه، تراجعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن قرارها، وأبقت جثمان حرز الله محتجزًا، لتعود العائلة مرة أخرى إلى الانتظار، بعدما كانت قد هيأت نفسها لاستقبال الجثمان ودفنه.

تقول ابنته يقين بحرقة لـ”قدس برس”: “كنا نهيئ أنفسنا لوداعه بشكل يليق به. أصلًا نحن مصدومون من اعتقاله في شهر كانون الثاني/يناير واستشهاده في آذار/مارس. فقدنا السند والأب الحاني، وكنا ننتظر فقط أن يعود إلينا حتى ندفنه ونرتاح”.

لم يكن الاستعداد للدفن بالنسبة إلى العائلة مجرد ترتيبات عادية لمراسم جنازة، بل كان محاولة أخيرة لاستيعاب الفقد وإغلاق صفحة مؤلمة بدأت باعتقال الأب وانتهت بإعلان استشهاده داخل سجون الاحتلال. لكن حتى هذه اللحظة لم تُتح للعائلة.

وتضيف يقين أن الحزن الذي تعيشه الأسرة لا يأتي من فقدان والدها وحده، إذ يرزح شقيقها الأكبر “تحرير” خلف قضبان الاحتلال منذ أكثر من عام ونصف، لتجد العائلة نفسها أمام غيابين متزامنين: أب رحل، وابن لا يزال موعد عودته مجهولًا.

وتقول: “حزننا مضاعف. فقدنا أبي، وأخي الكبير تحرير ما زال في سجون الاحتلال منذ أكثر من عام ونصف. كنا نريد أن نودع أبي، لكنهم حتى هذه اللحظة يحرموننا من ذلك”.

قبر محفور وجثمان لم يصل

في منزل العائلة، لم تكن تفاصيل الخميس تشبه ما خططت له الأسرة. كان القبر قد حُفر، والصور طُبعت، والبوسترات جُهزت، استعدادًا لاستقبال الجثمان. كان أفراد العائلة يحاولون التعامل مع الحزن بطريقة عملية؛ يجهزون ما يلزم لعودة رجل يعرفون أنه لن يعود إليهم كما خرج، لكنهم على الأقل أرادوا أن يكون له قبر يحتضنه، وأن تكون لهم لحظة أخيرة معه.

يقول شقيقه أبو يزن لـ”قدس برس”: “الاحتلال يتلاعب بنا. حفرنا القبر، وطبعنا صوره وبوستراته، وجهزنا كل شيء، ثم فجأة تراجعوا عن التسليم. لا نعرف لماذا يفعلون بنا ذلك، ولا إلى متى سيستمر احتجاز جثمانه”.

كان الموعد المحدد كفيلًا بأن يعيد إلى العائلة شيئًا من القدرة على ترتيب حزنها، قبل أن يتحول الانتظار مجددًا إلى حالة مفتوحة لا يعرف أفراد الأسرة نهايتها.

ومنذ استشهاده في 28 آذار/مارس 2026 داخل سجن “مجدو”، بقي جثمان مروان حرز الله بعيدًا عن عائلته، كما بقيت تفاصيل الأشهر الأخيرة من حياته داخل السجن حاضرة في أسئلة الأسرة ومخاوفها.

اعتُقل حرز الله، البالغ من العمر 55 عامًا، في كانون الثاني/يناير الماضي، بذريعة “التحريض”، وفق ما أعلنته سلطات الاحتلال، وبعد نحو شهرين أُعلن استشهاده داخل السجن.

وتحمل المؤسسات الفلسطينية سلطات الاحتلال وإدارة سجونها المسؤولية عن وفاته، وتقول إن استشهاده جاء نتيجة الحرمان من العلاج والرعاية الصحية اللازمة، في إطار ما تصفه بسياسة ممنهجة تجاه الأسرى الفلسطينيين.

وداع مؤجل

بالنسبة إلى عائلة حرز الله، لا تتوقف المأساة عند فقدان مروان، بل تمتد إلى حرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية: أن تعرف مصير جثمانه، وأن تدفنه، وأن تقف عند قبره.

تقول ابنته يقين: “كنا نحاول أن نهيئ أنفسنا لهذه اللحظة. كنا نعرف أنه شهيد، وكنا نريد فقط أن نراه ونودعه. لكنهم حتى في الموت لم يتركوه لنا”.

وتبدو المفارقة قاسية على العائلة؛ فقد كانت تعرف أن أباها استشهد، لكنها ظلت عاجزة عن الوصول إليه. وحين بدا أن لحظة الدفن اقتربت، عادت إلى نقطة الصفر، وبقي القبر الذي حفرته الأسرة ينتظر صاحبه.

ويأتي احتجاز جثمان حرز الله ضمن ملف أوسع، إذ تشير الحملة الوطنية لاسترداد جثامين الشهداء إلى احتجاز سلطات الاحتلال جثامين مئات الفلسطينيين، بين مقابر الأرقام والثلاجات العسكرية، فيما تقول المؤسسات إن نحو 100 أسير شهيد لا تزال جثامينهم محتجزة.

ووفق توثيق الحملة، يبلغ عدد جثامين الشهداء الفلسطينيين المحتجزة لدى سلطات الاحتلال 805 جثامين، فيما يعود احتجاز بعض الجثامين إلى عقود، ومن بينها جثمان الأسير الشهيد أنيس دولة المحتجز منذ عام 1980.

كما تشير المؤسسات إلى أن حرز الله واحد من 92 أسيرًا استشهدوا منذ بدء الحرب، في حين لا يزال مصير عشرات المعتقلين من قطاع غزة مجهولًا، وسط حرمان عائلاتهم من المعلومات المتعلقة بمصيرهم وأماكن احتجازهم، وهو ما تصفه المؤسسات بأنه يكرس حالة من الإخفاء القسري.

لكن الأرقام، على قسوتها، لا تختصر حكاية عائلة حرز الله. فخلف الرقم يوجد 805 عائلة تنتظر، وخلف كل جثمان قصة بيت وأم وأبناء وأشقاء، وخلف كل قبر محفور حكاية انتظار قد تطول شهورًا أو سنوات.

وفي مخيم “العين”، يبقى قبر مروان حرز الله محفورًا، وصوره جاهزة، وأسرته معلقة بين حزن استشهاده وأمل أن ينتهي احتجاز جثمانه.

أما ابنته يقين، فلا تطلب أكثر من أن يعود والدها إلى المكان الذي ينتمي إليه. وتقول: “نحن لا نريد شيئًا سوى أن يدفن أبي بين أهله. فقدناه مرة عندما استشهد، ولا نريد أن نبقى نفقده كل يوم بسبب احتجاز جثمانه”.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY