حذّر سياسيون وعلماء وباحثون، خلال “اللقاء العاجل لنصرة الأقصى في مواجهة العدوان”، من تسارع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير هوية المسجد الأقصى وانتزاع صلاحيات إدارته الإسلامية، داعين إلى تحرك شعبي ورسمي يتجاوز بيانات الإدانة، ويجمع بين إسناد المقدسيين والمرابطين، وتفعيل المقاطعة، ومواجهة التطبيع، وكسر التعتيم الإعلامي المفروض على المسجد.
ونظمت “مؤسسة القدس الدولية”، بالتعاون مع الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين، اللقاء، السبت 26 أيلول/سبتمبر، لبحث المخاطر التي تواجه المسجد الأقصى وسبل التصدي لها.
وتضمنت مداخلات المشاركين مقترحات لبرامج عمل عاجلة وخطة إنقاذ طويلة الأمد، مع التأكيد على ترابط الدفاع عن القدس مع مساندة قطاع غزة والضفة الغربية والأسرى.
العوا يدعو إلى المقاطعة ودعم صمود القدس
وأكد رئيس مجلس أمناء “مؤسسة القدس الدولية”، محمد سليم العوا، أن نصرة الأقصى تعني نصرة القدس والقضية الفلسطينية برمتها، محذرًا من أن ما تتعرض له المدينة تحت الاحتلال والاستيطان يهدد المقدسات الإسلامية والمسيحية، والتاريخ الديني والإنساني فيها، إلى جانب الوجود العربي التاريخي.
وأوضح أن الدفاع عن القدس يمثل جوهر الرسالة التي أُنشئت مؤسسة القدس من أجلها، وأن هذه المسؤولية تشمل العرب والمسلمين والمسيحيين وأحرار العالم، ولا تنحصر في الفلسطينيين وحدهم.
وانتقد العوا الدعم الأمريكي لـ”إسرائيل”، معتبرًا أن العدوان على القدس والأقصى “ليس صهيونيًا فحسب، وإنما هو صهيو-أمريكي بكل ما تحمل الكلمة من معانٍ”، مستشهدًا بالمساندة العسكرية والسياسية الأمريكية لإسرائيل في اعتداءاتها على فلسطين والمنطقة.
ودعا الحكومات إلى الوقوف الصريح في دعم المقاومة، وتفعيل المقاطعة الكاملة لـ”إسرائيل”، ومساندة القوى العربية والعالمية المناهضة لها، وإعلان هذه المواقف بوضوح لتوفير إسناد رسمي للمساندين للحقوق الفلسطينية.
كما شدد على أهمية تثبيت الوجود العربي والإسلامي والمسيحي في القدس، ومواصلة العمل على حماية مقدساتها.
ابحيص يحذر من الإحلال الديني وانتزاع صلاحيات الأوقاف
وقدم الباحث المختص بالشأن المقدسي زياد ابحيص قراءة لمسار الاعتداءات على المسجد الأقصى، معتبرًا أن “إسرائيل” تتعامل مع المرحلة الراهنة بوصفها فرصة لتسريع عمليات التهويد وفرض السيطرة على شؤون المسجد.
واستعرض إغلاق المسجد لمدة 40 يومًا، وتوسيع أوقات الاقتحامات إلى ست ساعات ونصف يوميًا من الأحد إلى الخميس، إلى جانب مطالب منظمات الهيكل بإضافة أوقات ليلية وفتح المسجد أمام الاقتحامات يوم السبت.
وربط ابحيص هذه الإجراءات بمحاولات نقل قرار فتح المسجد وإغلاقه وإدارة شؤونه إلى سلطات الاحتلال، مشيرًا إلى إشراف شرطة الاحتلال على توزيع كتب الطقوس الدينية على المقتحمين، والتضييق على موظفي الأوقاف وحراس المسجد، ومنع أعمال الصيانة والترميم والتنظيف.
وحذر من أن تآكل صلاحيات الأوقاف الإسلامية يضعف قدرتها على أداء دورها في إدارة المسجد وحمايته، مؤكدًا أن الخطر لا يبدأ عند هدم مباني الأقصى.
وقال: “الخطر على المسجد هو الهيمنة عليه والسيطرة عليه وليس هدمه”، موضحًا أن المسجد الأقصى يشمل كل ما يحيط به السور، وأن الاعتداء على ساحاته لا ينفصل عن الاعتداء على مبانيه.
وحذر من مسار وصفه بـ”الإحلال الديني” وطمس الهوية الإسلامية للمكان، معتبرًا أن الإجراءات المتراكمة تستهدف إعادة تشكيل واقع المسجد وفرض ترتيبات جديدة على إدارته واستخدامه.
كما توقف ابحيص عند التعتيم الإعلامي، معتبرًا أن ملاحقة الصحفيين والمرابطين، وحظر المؤسسات الإعلامية، والضغط على الأوقاف، أفضت إلى احتكار إسرائيل والمستوطنين جانبًا واسعًا من الصورة والرواية الخارجة من المسجد.
ودعا إلى تحرك إعلامي منظم لكسر هذا الاحتكار، وإعادة الاعتداءات على الأقصى إلى صدارة الاهتمام العربي والإسلامي والدولي.
مشعل يطرح أربع استراتيجيات للتحرك
من جانبه، حذر رئيس حركة “حماس” في الخارج خالد مشعل من أن “الأقصى على مفترق طرق”، معتبرًا أن “إسرائيل” تسعى إلى حسم معركتها على المسجد، وداعيًا إلى قراءة الإجراءات المتتابعة باعتبارها مشروعًا للسيطرة على هويته ومساحته وإدارته، وليس مجرد اقتحامات منفردة.
وأشار إلى محاولات فرض تقسيم مكاني يضاف إلى التقسيم الزماني، وتفريغ مرافق داخل المسجد، وتعطيل دور الأوقاف الإسلامية في الحراسة والترميم والإدارة، محذرًا من تكرار تجربة المسجد الإبراهيمي في الخليل.
وطرح مشعل أربع استراتيجيات للتحرك؛ أولها ما وصفه باستراتيجية “المقاومة والجهاد” لاستنقاذ القدس والأقصى وتحرير فلسطين.
وتتمثل الاستراتيجية الثانية في تجديد الحراك الشعبي الفلسطيني، من خلال الرباط والصلاة وشد الرحال إلى المسجد، والصلاة عند أبوابه في حال منع الوصول إليه، بالقدر الذي تسمح به الظروف والإمكانات.
أما الاستراتيجية الثالثة، فتتمثل في استعادة التحرك الجماهيري العربي والإسلامي، بمشاركة مختلف القوى ومكونات المجتمعات العربية والإسلامية، قائلًا: “نريد العودة إلى الميادين، عودة الملايين”.
وتقوم الاستراتيجية الرابعة على تحرك رسمي استثنائي من قادة الدول العربية والإسلامية، يتناسب مع ما وصفه بخطورة المرحلة.
ورأى مشعل أن التحرك الرسمي يجمع بين أداء الواجب تجاه فلسطين والدفاع عن دول المنطقة نفسها، والاستفادة من تنامي الرفض الدولي للسياسات الإسرائيلية.
وشدد على أن التركيز على الأقصى يجب أن يترافق مع استمرار مساندة قطاع غزة ومواجهة مخططات تهجير أهله، ودعم الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإبقاء قضية الأسرى حاضرة.
إبراهيمي يطالب بإعادة ترتيب الأولويات وتطوير أدوات المواجهة
وركز رئيس الائتلاف العالمي لنصرة القدس وفلسطين، محمد إبراهيمي، على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في الاستفادة من التحولات الدولية المساندة لفلسطين، وإعادة ترتيب الأولويات داخل الأحزاب والجمعيات والمؤسسات، وتطوير أدوات العمل بما يتناسب مع تصاعد الاعتداءات على المسجد الأقصى.
واعتبر أن الأحداث منذ “طوفان الأقصى” كشفت جرائم الاحتلال أمام قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وأن الحراك في الجامعات والشوارع يمثل فرصة ينبغي تحويلها إلى عمل مؤثر لصالح فلسطين والقدس.
وانتقد التعامل مع الأقصى بوصفه بندًا متأخرًا في جداول أعمال المؤسسات، متسائلًا عما إذا كانت القوى والمؤسسات قد أعادت فعلًا ترتيب أولوياتها على أساس المخاطر التي تواجه المسجد، أم ما زالت تكتفي باستحضاره بين حين وآخر.
وحذر من أن الاكتفاء بأساليب الاستنكار المعتادة لا يواكب حجم الخطر، داعيًا إلى تطوير وسائل الضغط والردع، ومعتبرًا أن التقصير والخذلان يمنحان “إسرائيل” مساحة لمواصلة مشروعاتها.
وطالب بأن يخرج اللقاء بنتائج عملية على الأرض، مع استمرار الاهتمام بمعاناة قطاع غزة ومخاطر التهجير والاعتداءات في الضفة الغربية.
أملي يدعو إلى استنفار النقابات والجاليات ومواجهة التطبيع
وأكد عضو المجلس المركزي في “حزب الله” اللبناني، محمد أملي، أن للمسجد الأقصى مكانة عميقة في وجدان الأمة، داعيًا إلى تحويل التهديد الذي يواجهه إلى فرصة لاستنهاض الطاقات، وإعداد برامج تفصيلية تحرك الجهود الفكرية والشعبية والمؤسسية.
وشدد على دور النخب والروابط المهنية، من مهندسين ومحامين وأطباء، في التحرك داخل مجتمعاتها وفي الدوائر العربية والدولية، وعلى أهمية مخاطبة الشارع الغربي والجامعات والمؤسسات بلغة قادرة على التأثير، والاستفادة من حضور الجاليات العربية والإسلامية.
ودعا أملي إلى “تحريم وتجريم التطبيع”، والعمل على إلغاء المعاهدات التي رأى أنها تقيد قدرة الدول على مواجهة الاحتلال، محذرًا من المراهنة على تفاهمات مع “إسرائيل” أو على نيل الرضا الأمريكي في ظل الدعم الذي تقدمه واشنطن لها.
وأكد ضرورة الانتقال من المواقف العامة إلى برامج وخطط لتحريك الشارع، والاستفادة من التفاعل الشعبي في البلدان الإسلامية ومن اتساع التضامن في الغرب، لاستعادة موقع فلسطين بوصفها قضية مركزية للعرب والمسلمين وأحرار العالم.
ولد الددو يقترح مشروعًا لإسناد المرابطين وإحياء الدروس
ودعا نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ محمد ولد الددو، إلى تخصيص جزء من الوقت والمال والجهد للدفاع عن المسجد الأقصى، واصفًا إياه بأنه “أمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعناقنا جميعًا”، ومؤكدًا أن اختلاف المواقف في قضايا أخرى لا ينبغي أن يضعف الاجتماع على نصرته.
وشدد على أن مسؤولية الأمة تُقاس بما تستطيع بذله من كلام واحتجاج وتأثير ودعم مالي، وأن إسناد المقدسيين والمرابطين والمرابطات يجب أن يترجم إلى خطوات تساعدهم على الثبات وتشعرهم بأنهم ليسوا وحدهم.
واقترح على مؤسسة القدس الدولية تبني مشروع لتفريغ المرابطين والمرابطات للبقاء في المسجد، وتوفير مخصصات مالية لهم، مع التركيز على كبار السن القادرين على الوصول إليه، وإحياء الدروس العلمية بما يعزز الحضور الإسلامي في رحابه.
ودعا كذلك إلى تكثيف الجهود الإعلامية والقانونية، وتفعيل المنابر والاحتجاجات في البلدان التي تسمح بها، مؤكدًا أن انشغال الأمة بالحروب والأزمات لا يسقط واجبها تجاه المسجد الأقصى، ولا يلغي مسؤوليتها عن مساندة قطاع غزة والضفة الغربية والأسرى.
مقترحات لتحرك عاجل وإسناد الأوقاف
وفي الجانب العملي، عرض ابحيص مقترحات لتحرك عاجل، تتقدمها حملة إعلامية شاملة تعيد الاعتداءات على المسجد الأقصى إلى صدارة الاهتمام، وتحركات شعبية ومسيرات ووقفات تسند المقدسيين وتعبر عن رفض ما يتعرض له المسجد.
ودعا إلى أن يكون يوم الجمعة 2 تشرين الأول/أكتوبر 2026 يومًا جامعًا لفعاليات “الفجر العظيم” حيثما أمكن في الدول العربية والإسلامية، موضحًا أن هذه الفعاليات تمثل وسيلة لاستجماع الإرادة والتعبير عن التمسك بالمقدسات.
كما اقترح إطلاق حملة لمواجهة التطبيع، والضغط على الحكومات عبر الأدوات النيابية والتحركات الشعبية وحملات التواصل، وتشكيل وفود للتواصل مع السفارات الأردنية ومطالبتها بإسناد أوقاف القدس، وتوفير غطاء سياسي يحمي الحراس والمرابطين، ويعزز قدرة الأوقاف على أداء مهامها.
وربط ابحيص هذه الخطوات بالحاجة إلى خطة إنقاذ طويلة الأمد تستنهض الفعل الفلسطيني، وتوسع المشاركة الشعبية العربية والإسلامية، وتدفع نحو مواقف رسمية فاعلة، وتسند العلماء والقضاة والمرجعيات الدينية في فلسطين.
وأكد أن المقترحات العاجلة تمثل الحد الأدنى الممكن للتحرك، وليست سقف الجهد المطلوب لحماية المسجد الأقصى والحفاظ على هويته الإسلامية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY