Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الغطاء الأخضر تحت الاستهداف… أوامر “إسرائيل” تغيّر ملامح الأرض الفلسطينية

لم تعد الأشجار والحقول الفلسطينية هدفًا لإجراءات الاحتلال الإسرائيلي بصورة متفرقة، إذ تكشف الأوامر العسكرية الصادرة منذ بداية العام عن مسار متصاعد يستهدف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، ويطال الأشجار والغطاء النباتي ومصادر المياه، بما يترك آثارًا تتجاوز الخسارة الزراعية المباشرة.

وخلال اليومين الماضيين، أصدرت سلطات الاحتلال أربعة أوامر عسكرية جديدة تقضي بتجريف نحو 438 دونمًا من الأراضي في محافظتي جنين ورام الله، شمالي الضفة الغربية ووسطها، تحت ذريعة “اتخاذ وسائل أمنية”.

ومع هذه الأوامر، يرتفع عدد القرارات التي صدرت منذ مطلع العام الجاري واستهدفت إزالة الغطاء النباتي والشجري إلى 59 أمرًا، تشمل، وفق المساحات الواردة فيها، قرابة 2480 دونمًا. ويزيد هذا الرقم على حصيلة عام 2025، التي بلغت 47 أمرًا طالت 1613 دونمًا، أي بزيادة تقارب 30% في المساحات المستهدفة.

لكن الأرقام، على أهميتها، لا تختصر حجم الخسارة بالنسبة للمزارعين الذين ترتبط أراضيهم بمصادر دخلهم وبقدرتهم على البقاء فيها.

في جنوب جنين، يعيش المزارع أمجد عبد المعطي آثار واحدة من عمليات التجريف التي طالت أرضه خلال الشهر الماضي. فقد خسر نحو 45 دونمًا كانت مزروعة بأشجار الزيتون ومحاصيل مروية وبعلية، إضافة إلى بئر مياه دمرته آليات الاحتلال خلال العملية.

ويقول عبد المعطي لـ”قدس برس” إن شكل الأرض تغير إلى درجة بات معها من الصعب عليه التعرف إلى حدودها كما كانت سابقًا، بعدما اقتُلعت الأشجار ودُمرت المزروعات التي كانت توفر لعائلته المكونة من سبعة أفراد مصدر دخلها الأساسي.

ويضيف أن عشرات أشجار الزيتون والتين المعمرة اقتُلعت، إلى جانب المحاصيل التي كان يعتمد عليها في إعالة أسرته، الأمر الذي دفعه إلى البحث عن عمل بالأجرة لتأمين احتياجات أطفاله.

ولا تقتصر تداعيات هذه الإجراءات على فقدان الأشجار والمحاصيل. فحين يترافق تجريف الأراضي مع شق الطرق أو إقامة مناطق عسكرية أو إغلاق مسارات الوصول، فإن أجزاء من الأراضي الزراعية قد تصبح معزولة عن أصحابها، حتى وإن بقيت الملكية القانونية مسجلة بأسمائهم.

ويشير الباحث الميداني محمود الصيفي، في حديث لـ”قدس برس”، إلى أن ما يجري لا ينبغي النظر إليه باعتباره عمليات اقتلاع أشجار منفصلة، بل باعتباره تغييرًا تدريجيًا في طبيعة الأرض وغطائها النباتي، بالتوازي مع أعمال البنية التحتية المرتبطة بالمستوطنات والطرق.

ويذكر الصيفي أن الإجراءات طالت خلال الأشهر الماضية مناطق عدة في محافظة جنين، من بينها زبوبا وقباطية، كما امتدت إلى محافظات نابلس وسلفيت ورام الله والأغوار.

وبحسب الباحث، فإن اقتلاع الأشجار المثمرة لا يعني خسارة محصول موسم واحد، إذ تحتاج الأشجار التي يتم غرسها مجددًا إلى سنوات حتى تصل إلى مرحلة الإنتاج، فيما يؤدي تدمير الآبار وشبكات الري إلى أعباء إضافية على المزارعين الذين يحاولون استعادة قدرة الأرض على الإنتاج.

أما من الناحية البيئية، فإن إزالة الأشجار والغطاء النباتي تترك التربة أكثر تعرضًا للتعرية والجفاف، وتضعف قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، فضلًا عن تغيير المشهد الزراعي الذي تشكل عبر عقود طويلة بفعل الزراعة والرعي والاستثمار المستمر في الأرض.

ويرى الصيفي أن الأثر الأكثر خطورة يظهر عندما تتراكم هذه الإجراءات معًا؛ فصعوبة الوصول إلى الأرض، واقتلاع الأشجار، وتدمير مصادر المياه، ثم إنشاء طريق أو منطقة عسكرية في محيطها، كلها عوامل تجعل النشاط الزراعي أكثر كلفة وأقل قدرة على الاستمرار.

أوامر بمواعيد تنفيذ قصيرة

وتوضح “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية” أن الأوامر العسكرية الأربعة الأخيرة صدرت تحت عنوان “اتخاذ وسائل أمنية”، وتتضمن إزالة النباتات البرية واقتلاع أشجار الزيتون وغيرها من الأشجار.

وبحسب الهيئة، فإن اثنين من الأوامر يطالان أراضي في جنين وقباطية، بمساحتين تبلغ الأولى 178.71 دونمًا والثانية 128.77 دونمًا، فيما يستهدف أمر ثالث منطقتين في أراضي بيت ريما بمحافظة رام الله، بمساحة إجمالية تبلغ 31.538 دونمًا، بينما يشمل الأمر الرابع 99.79 دونمًا من أراضي دير نظام شمال غربي رام الله.

وتتفاوت الإجراءات الزمنية التي تحددها الأوامر بين السماح بالبدء في تنفيذها بعد نشر القرار، ومنح أصحاب الأراضي مهلاً قصيرة للغاية لا تتجاوز في بعض الحالات 12 ساعة، بحسب الهيئة.

وتلفت الهيئة إلى أن خطورة هذه القرارات لا ترتبط فقط بمجموع المساحات المستهدفة، وإنما بسرعة إحداث تغيير مادي في الأرض، سواء عبر إزالة الأشجار أو التخلص من الغطاء النباتي، قبل أن يتمكن أصحاب الأراضي من اتخاذ إجراءات فعالة للاعتراض.

كما تظهر الخرائط المرفقة بالأوامر استهداف مساحات متصلة من الأراضي الزراعية، ما يجعل آثار التنفيذ المحتملة أوسع من حدود كل قطعة أرض على حدة، خصوصًا فيما يتعلق بحركة المزارعين والوصول إلى ممتلكاتهم واستمرار استغلالها.

وفي هذا السياق، يرى الصيفي أن تحويل إزالة الغطاء النباتي إلى إجراء يمكن تكراره عبر أوامر عسكرية يترك أثرًا طويل المدى على الأرض، حتى في الحالات التي لا يرافقها نقل رسمي للملكية.

خسارة الأرض تتجاوز حدود الحقل

ولا ينفصل هذا المسار عن واقع أوسع تواجهه الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، حيث تتداخل القيود على الحركة والوصول مع اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم وتضرر منشآت المياه، لتزيد الضغوط الواقعة على المزارعين وأصحاب الأراضي.

وتشير تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن هذه العوامل مجتمعة تؤثر في مصادر دخل الفلسطينيين وتزيد صعوبة الوصول إلى الأراضي وممارسة الأنشطة الزراعية، كما ترفع مخاطر النزوح.

وحتى أيلول/سبتمبر 2026، وثق المكتب أكثر من 1600 هجوم للمستوطنين أسفر عن إصابات أو أضرار في الممتلكات، وطال 275 تجمعًا فلسطينيًا منذ بداية العام.

وفي المحصلة، لا تبدو معركة الأرض مرتبطة فقط بعدد الأشجار التي تُقتلع أو مساحة الحقول التي تُجرف. فكل شجرة تُزال تعني سنوات من الانتظار لإعادة إنتاجها، وكل بئر يُدمر يرفع كلفة الزراعة، وكل طريق يغلقه الاحتلال يجعل الوصول إلى الأرض أكثر صعوبة.

وبالنسبة للمزارع، فإن الخسارة تبدأ من الحقل، لكنها لا تنتهي عنده؛ إذ تمتد إلى مصدر الدخل، والأمن الغذائي، والمياه، والقدرة على مواصلة العمل في الأرض، وصولًا إلى قدرة العائلة على الاستمرار في المكان.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY