Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

موتٌ مؤجل… مبانٍ أنهكتها الحرب تهدد حياة الغزيين

لم تنتهِ الحرب عند حدود المباني التي انهارت وتحولت إلى ركام، فثمة أبنية بقيت واقفة، لكنها تحمل في جدرانها وأعمدتها آثار ضربات لم تُسقطها بالكامل، وتركتها معلقة بين البقاء والانهيار.

في أحياء غزة، يمر السكان يوميًا بمحاذاة مبانٍ متضررة؛ بعضها فقد أجزاءً من واجهاته، وبعضها الآخر تظهر عليه تشققات واضحة وانحناءات في الجدران والأسقف. مشهدٌ بات مألوفًا، لكنه يخفي خطرًا لا يمكن التنبؤ بموعد تحوله إلى واقع.

الخوف الأكبر لدى العائلات ليس من شكل المبنى، وإنما من لحظة قد يفقد فيها ما تبقى من تماسكه. فالهياكل التي تعرضت لأضرار خلال القصف قد تصبح أكثر هشاشة مع مرور الوقت، بينما تجعل الظروف الجوية والأمطار والرياح مهمة حماية السكان أكثر إلحاحًا.

لكن الابتعاد عن هذه الأبنية ليس خيارًا متاحًا للجميع. فغزة التي فقدت مساحات واسعة من مساكنها، وشُرّد أعداد كبيرة من سكانها، تترك عائلات كثيرة أمام خيارات محدودة: منزل متضرر، خيمة، مأوى مؤقت، أو البقاء في منطقة لا يعرفون مدى سلامتها.

وتتحول المشكلة بذلك إلى حلقة جديدة من المعاناة؛ فحتى عندما يتوقف القصف، يبقى أثره حاضرًا في مبانٍ قد تنهار في أي وقت، وفي عائلات تضطر إلى ممارسة حياتها اليومية تحت ظلال جدران غير مستقرة.

كما أن التعامل مع الأبنية المتضررة يحتاج إلى عمليات فنية دقيقة لتقييم درجة الخطر، وتحديد ما يمكن تدعيمه وما يشكل تهديدًا يستدعي الإخلاء أو الإزالة. وهي إجراءات تتطلب إمكانات ومعدات وخبرات، في ظل واقع إنساني وبنية تحتية تعرضت لدمار واسع.

المشرف التنفيذي على ملف انتشال الضحايا من تحت أنقاض عمارة السعادة في الدفاع المدني، محمد أبو دان، أكد أن ما جرى من انهيار عمارة السعادة على رؤوس من لاذوا إليها “سنعيشه مرات أخرى إذا لم يتحرك العالم لإنقاذ الأهالي في القطاع وإدخال لوازم السكن المناسبة”.

وقال أبو دان لـ”قدس برس”، إن عشر عائلات وجدت في البناية مكانًا آمنًا لها، رغم أنها كانت قد قُصفت من قبل، إلا أنها كانت خيارًا لمن فقد منزله ولم يجد مسكنًا له. والنتيجة كانت استشهاد 21 شخصًا، غالبيتهم من الأطفال، وإصابة عشرات آخرين.

وأضاف: “عندما تلقينا البلاغ بانهيار عمارة السعادة، هرعت طواقم الدفاع المدني إلى المكان، وبسبب قلة الإمكانات وعدم توافر المعدات المناسبة، لم نستطع انتشال المواطنين إلا بعد ساعات طويلة”.

وتابع: “استعنا باللجنة المصرية المنسقة لمساعدتنا في انتشال الشهداء وإنقاذ ما يمكن إنقاذه تحت هذا المبنى”.

من جانبه، قال خبير البنية التحتية والإسكان محمد العسمري إن الاحتلال دمر أكثر من 450 ألف وحدة سكنية بشكل كامل أو جزئي خلال الحرب، ما أدى إلى فقدان آلاف الأسر والعائلات مساكنها وتشريدها، فضلًا عن تعرض نحو 80% من البنية التحتية لأضرار جسيمة.

وأضاف لـ”قدس برس” أن هذا التدمير أدى إلى انهيار شبه كامل في قدرة المدن والأحياء السكنية على العمل بشكل طبيعي، ما دفع الناس إلى تقبّل المخاطر واللجوء إلى المباني المتضررة بحثًا عن ملاذ لهم ولصغارهم.

وشدد العسمري على أن القطاع يعيش أزمة إيواء خانقة، إذ تنتشر مئات مراكز النزوح التي تعتمد على الخيام أو حلول مؤقتة لا توفر الحد الأدنى من شروط الحياة الإنسانية، وتحولت إلى بيئات غير صالحة للاستقرار البشري على المدى الطويل.

وأردف أن استمرار الواقع دون تدخل جاد يعني ترسيخ الانهيار وتحويل الأزمة إلى حالة دائمة من التدهور الإنساني وتعطيل التنمية، مشيرًا إلى أن المطلوب اليوم يتجاوز الإغاثة المؤقتة نحو مسار شامل وفوري لإعادة الإعمار، يبدأ برفع القيود عن مواد البناء، وإزالة الركام، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتمكين اللجنة الإدارية من مباشرة عملها داخل القطاع.

وخلّفت الضربات الإسرائيلية خلال الحرب على غزة منذ تشرين أول/ أكتوبر 2023 أعدادًا كبيرة من الأبنية المتضررة جزئيًا، بينها مبانٍ تعرضت جدرانها وأعمدتها وأسقفها لتصدعات وأضرار إنشائية جعلتها غير آمنة للسكن، فيما اضطرت عائلات فقدت منازلها إلى الاحتماء ببعضها في ظل أزمة السكن وغياب البدائل.

وأظهرت أحدث التقييمات الأممية أن 201,290 مبنى، أي نحو 82% من إجمالي المباني في قطاع غزة، تعرضت لأضرار حتى 16 حزيران/يونيو 2026، بينها 134,422 مبنى دُمّرت بالكامل، و13,848 مبنى تضررت بشدة، و28,096 مبنى تضررت بدرجة متوسطة، إضافة إلى 24,924 مبنى يُحتمل تعرضها لأضرار. كما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة نحو 328,627 وحدة.

ويبرز خطر المباني الآيلة للسقوط بصورة أكثر وضوحًا مع انهيار عمارة “السعادة” في حي الصبرة بمدينة غزة، في 16 أيلول/سبتمبر الجاري.

وكانت العمارة قد تعرضت لأضرار خلال القصف، قبل أن تتحول إلى مأوى لعائلات نازحة لم تجد بديلًا للسكن. وأسفر انهيارها عن استشهاد 21 فلسطينيًا، بينهم 12 طفلًا وخمس نساء، فيما أُنقذ 45 شخصًا، بينهم 14 مصابًا، وفق وزارة الداخلية في غزة.

SOURCE: NATIONAL IRAQI NEWS AGENCY