Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

محللان: تفكيك مخيمات الضفة يتجاوز التدمير إلى إعادة هندسة الجغرافيا

تتجاوز عمليات التدمير والتهجير التي تطال مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية الأبعاد العسكرية المباشرة، لتطال البنية العمرانية والديموغرافية والاجتماعية لهذه المخيمات، بما يهدد بتغيير ملامحها ودورها المرتبط تاريخيا بقضية اللاجئين وحق العودة.

ويرى باحثون ومحللون أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع جديدة على الأرض، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني وتشديد السيطرة على حركة السكان.

تدمير ممنهج يطال بنية المخيمات

وقال الباحث علي إبراهيم، إن عمليات التدمير الممنهجة في مخيمات الضفة الغربية تتخذ طابعا بنيويا، إذ تطال المجال العمراني والديموغرافي والاجتماعي للمخيمات.

وأوضح إبراهيم في حديث لـ”قدس برس”، أن “تدمير المنازل وشبكات الطرق والبنية التحتية، إلى جانب فرض قيود على حركة السكان والمضي في مخططات الإخلاء القسري، يؤدي إلى تفكيك البيئة العمرانية والاجتماعية والسكانية التي تشكلت فيها المخيمات على مدار عقود”.

وأشار إلى أن “الاستهداف لم يعد يقتصر على الأفراد والعائلات، وإنما امتد إلى المخيم باعتباره فضاء فلسطينيا عاما يحمل الذاكرة والصمود والهوية، وشكل تاريخيا أحد مراكز التجمع والتنظيم والمقاومة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها”.

وأضاف أن “طبيعة هذه الإجراءات تشير إلى ارتباط إعادة تشكيل المخيمات بتحولات أوسع في طريقة إدارة الاحتلال للضفة الغربية، إذ يساهم التدمير والتهجير في خلق واقع ميداني جديد يمكن من خلاله فرض أنماط مختلفة من السيطرة على الأرض وحركة السكان”.

ولفت إلى أن “إطالة أمد النزوح وتعقيد شروط العودة وإعادة تنظيم المجال العمراني قد تنتج تغييرا ديموغرافيا مستداما، بما يتيح استمرار السيطرة العسكرية وتسهيل عمليات لاحقة، عبر إعادة هندسة الحيز المكاني للمخيم بما يخدم الأهداف الأمنية للاحتلال”.

تفكيك المخيمات في سياق الاستيطان

وربط إبراهيم بين هذه السياسات ومساعي الاحتلال لتوسيع السيطرة على الضفة الغربية، بالتوازي مع تصاعد النشاط الاستيطاني، معتبرا أن “إضعاف قدرة المخيمات على استيعاب سكانها، بالتزامن مع توسيع السيطرة على المناطق المحيطة بها، يمثل محاولة لتغيير الخريطة السكانية والجغرافية للضفة”.

وبيّن أن هذا المسار “يستهدف تعزيز الحضور الاستيطاني من حيث عدد المستوطنين ومساحة الأراضي الخاضعة لسيطرتهم”، محذرا من أن “استهداف المخيمات قد يشكل جزءا من مسار أوسع يمكن أن يمتد إلى مختلف التجمعات الفلسطينية، ولا سيما مع تصاعد نفوذ اليمين على المستويين السياسي والأمني”.

المخيم.. قضية تتجاوز المكان

من جهته، قال الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين، إن “ما يجري في مخيمات الضفة الغربية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد عمليات أمنية محدودة أو إجراءات عسكرية ظرفية”، موضحا أن “الرواية الفلسطينية تنظر إليه باعتباره جزءا من مشروع سياسي وأيديولوجي أوسع يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وتفكيك البيئة الاجتماعية للمخيمات”.

وأضاف شاهين في حديث لـ”قدس برس”، أن “المخيم لا يمثل تجمعا سكانيا فحسب، بل يحمل رمزية سياسية مرتبطة بذاكرة النكبة وحق العودة واستمرارية الهوية الفلسطينية، ولذلك فإن تدمير بنيته العمرانية وفرض التهجير وإغلاق الطرق وتغيير ملامح المكان يمكن قراءتها ضمن سياسة تستهدف إضعاف العلاقة بين الفلسطيني ومكانه”.

وأشار إلى أن “هذه الإجراءات قد تدفع المخيم من كونه فضاء اجتماعيا وسياسيا حاضنا للهوية الفلسطينية إلى منطقة خاضعة بصورة أكبر للضبط الأمني وإعادة التنظيم الديموغرافي”.

التهجير القسري ومخاطر القانون الدولي

وعلى الصعيد القانوني، رأى شاهين أن “التهجير القسري للسكان الواقعين تحت الاحتلال يثير مسائل خطيرة في إطار القانون الدولي الإنساني، ولا يمكن تبريره بمصطلحات أمنية عامة”.

وأوضح أن “سلطة الاحتلال تتحمل التزامات قانونية تجاه السكان المدنيين، ولا تمنحها الاعتبارات الأمنية تفويضا مفتوحا لإعادة تشكيل المدن والمخيمات أو فرض وقائع سكانية جديدة”.

وأضاف أن “إعادة هندسة المخيمات تتجاوز البعد العسكري إلى أبعاد سياسية وأيديولوجية، نظرا إلى ارتباطها المباشر بقضية اللاجئين”، محذرا من أن “تفكيك المخيم مكانيا وإفراغه سكانيا وإضعاف مؤسساته الاجتماعية قد يؤدي إلى إنتاج واقع جديد يحاول نقل قضية اللاجئ من إطارها السياسي المرتبط بحق العودة إلى إطار إنساني يتعلق بالسكن والخدمات والإدارة المحلية”.

معركة على الذاكرة والهوية

وأكد شاهين أن “الجغرافيا تتقاطع هنا بصورة مباشرة مع السياسة، فهدم المنازل وتوسيع المناطق العسكرية وإعادة تنظيم حركة السكان ليست إجراءات منفصلة عن مسار أوسع لإعادة تعريف الضفة الغربية باعتبارها مجالا أمنيا مفتوحا أمام التوسع الاستيطاني والضم التدريجي”.

وقال إن “المعركة على المخيمات لا تتعلق بالأبنية والشوارع وحدها، وإنما تمس الذاكرة والهوية والحقوق السياسية المرتبطة بقضية اللاجئين”.

وحذر من أن “استمرار هذه السياسة قد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى خلق حقائق مادية تسعى سلطات الاحتلال إلى تقديمها لاحقا باعتبارها أمرا واقعا”، معتبرا أن “الصمت الدولي يزيد من خطورة هذا المسار، عندما تتحول الانتهاكات المتكررة إلى وقائع معتادة من دون رد سياسي ودبلوماسي رادع”.

وشدد شاهين على أن “حماية مخيمات الضفة الغربية ليست مسألة إغاثية فحسب، وإنما مسؤولية وطنية وقانونية ودولية تتصل بحماية الهوية الفلسطينية وصون قضية اللاجئين، ومنع تحويل التهجير القسري إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وفرض الأمر الواقع بالقوة”.

وتشهد الضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 تصعيداً متزايداً، مع تكثيف قوات الاحتلال عمليات الاقتحام والاعتقال والمداهمات، بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني وإجراءات التضييق على حركة الفلسطينيين.

وترافق ذلك مع عمليات هدم ومصادرة أراضٍ وممتلكات وإغلاق مناطق، فيما تتزايد التحذيرات الدولية من تداعيات استمرار الاستيطان والعنف ضد الفلسطينيين، وما يترتب عليه من تهديد للاستقرار وإمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

وبحسب “هيئة مقاومة الجدار والاستيطان”، التابعة للسلطة الفلسطينية، ارتفعت اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية بنسبة 63% خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، لتبلغ 4,113 اعتداءً، مقارنة بـ2,524 اعتداءً خلال الفترة ذاتها من عام 2025.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY