لا تبدو الأزمة المصرفية بين “إسرائيل” والقطاع المصرفي الفلسطيني في طريقها إلى الحسم، رغم قرار تمديد العلاقة بين البنوك الإسرائيلية والفلسطينية. فالتمديد يمنح المصارف الفلسطينية مهلة إضافية، لكنه يبقي شبح القطيعة قائماً، ويضع الاقتصاد أمام اختبار جديد مع اقتراب المواعيد التي حددتها البنوك الإسرائيلية سابقاً.
وتأتي هذه الخطوة في ظل تهديد بنكي “ديسكونت” و”هبوعليم” بوقف خدمات المراسلة المصرفية مع المصارف الفلسطينية، وهي خدمات أساسية لتمرير المدفوعات وتسوية المعاملات التجارية.
وكان من المقرر أن يبدأ بنك “ديسكونت” وقف العلاقة في الأول من أيلول/سبتمبر، على أن يلحق به بنك “هبوعليم” في الأول من تشرين الأول/أكتوبر.
لكن التمديد لا يعكس بالضرورة تسوية نهائية، إذ تشير تقارير اقتصادية إلى أن البنوك الإسرائيلية لم تتعامل مع قرار الحكومة الإسرائيلية بتمديد العلاقة لمدة ستة أشهر باعتباره حلاً نهائياً، واكتفت في مراحل سابقة بتمديدات قصيرة، ما أبقى حالة عدم اليقين قائمة داخل القطاع المصرفي الفلسطيني.
وتتجاوز تداعيات القطيعة حدود البنوك نفسها؛ فالمراسلة المصرفية تشكل حلقة أساسية في حركة التجارة الفلسطينية، وأي توقف لها قد يعرقل تمويل الواردات وتسوية أثمان السلع والخدمات، ويضغط على قدرة الشركات والمستوردين على إجراء معاملاتهم بصورة طبيعية.
وفي الوقت ذاته، تتفاقم أزمة أخرى داخل النظام المالي الفلسطيني، تتمثل في تراكم فائض الشيكل لدى المصارف، الأمر الذي يحد من قدرتها على إدارة السيولة. وقد وفرت الموافقة الإسرائيلية على تبكير ترحيل نحو 4.5 مليارات شيكل متنفساً مؤقتاً، لكنها لا تعالج أصل المشكلة، وفق تقديرات خبراء اقتصاديين.
والمفارقة أن استمرار العلاقة المصرفية لا يخدم الجانب الفلسطيني وحده؛ فالاقتصادان الفلسطيني والإسرائيلي مرتبطان بحركة تجارية ومالية واسعة، ما يجعل القطيعة ذات كلفة على الطرفين. ولهذا تبدو التمديدات المتكررة محاولة لتفادي صدمة اقتصادية فورية، من دون أن تنجح حتى الآن في بناء إطار مستقر وطويل الأمد للعلاقة المصرفية.
ويرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر، في تعليقه على ما أوردته صحيفة /غلوبس/ الإسرائيلية بشأن توجه “إسرائيل” إلى إرجاء قطع العلاقات المصرفية مع البنوك الفلسطينية، أن الخطوة جاءت بعد طلب من بنك إسرائيل المركزي مواصلة تقديم الخدمات المالية مؤقتاً.
وقال أبو قمر لـ”قدس برس” إن القرار ليس مصرفياً بحتاً، ويحمل دلالة اقتصادية كبيرة، مشيراً إلى أن الاقتصادين الإسرائيلي والفلسطيني مرتبطان مالياً بدرجة تجعل فك الارتباط المفاجئ مكلفاً للطرفين.
وأضاف أن بنكي “هبوعليم” و”ديسكونت” يمثلان قناة أساسية للتحويلات والمدفوعات المرتبطة بالتجارة بين الجانبين، التي تتجاوز قيمتها 20 مليار شيكل سنوياً، وفق المعطيات المتداولة.
وتابع أن قطع هذه القنوات من شأنه أن يربك قدرة الشركات على دفع أثمان السلع والخدمات، ويؤثر في حركة الاستيراد والتصدير والسيولة داخل السوق الفلسطينية.
وأوضح أن المشكلة الأهم لا تتعلق بحجم التجارة فقط، وإنما بغياب البديل الجاهز؛ فالاقتصاد الفلسطيني يعتمد بشكل واسع على الشيكل وعلى شبكة مصرفية مرتبطة بالنظام المالي الإسرائيلي. وأشار إلى أن الانتقال المفاجئ إلى ترتيبات نقدية أو مصرفية جديدة سيكون معقداً ومكلفاً، وقد يرفع مخاطر السيولة والتجارة والاستقرار المالي.
وشدد أبو قمر على أن التأجيل يعكس حقيقة مفادها أن قطع العلاقات المصرفية أسهل سياسياً من تنفيذه اقتصادياً، موضحاً أن الاقتصاد قد يتحمل قرارات سياسية كثيرة، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن قنوات دفع وتسوية موثوقة.
وأردف أن أي بديل مستدام يحتاج إلى وقت وترتيبات مؤسسية واضحة، وإلا فإن كلفة الانفصال قد تتجاوز حدود القطاع المصرفي لتصل إلى التجارة والأسواق والشركات على جانبي العلاقة الاقتصادية.
وبذلك، تبدو الهدنة المصرفية الحالية أقرب إلى تأجيل لأزمة لم تُحل بعد، إذ ما زالت المصارف الفلسطينية أمام تحدي إيجاد بدائل مستدامة تضمن استمرار حركة المدفوعات والتجارة، في وقت تبقى فيه العلاقة مع البنوك الإسرائيلية عرضة لقرارات جديدة مع انتهاء فترة التمديد.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY