أعادت الهيئة العامة للمفقودين في سوريا، بإعلانها نعي الطبيبة السورية رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة، إلى الواجهة كأحد أكثر ملفات الإخفاء القسري إيلاماً في البلاد، بعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من الانتظار والترقب عاشتها العائلة دون معرفة مصير أفرادها.
غير أن مأساة العباسي لم تكن الوحيدة التي استحضرها هذا الإعلان، إذ أعاد إلى الأذهان قصص عشرات العائلات السورية والفلسطينية التي اختفت بالكامل خلال سنوات النزاع، ومن بينها عائلة عمايري الفلسطينية من مخيم اليرموك، التي فقدت عشرة من أفرادها دفعة واحدة في صيف عام 2013، وما يزال مصيرهم مجهولاً حتى اليوم.
وفي تسجيل مصور نشره على صحفته في “فيس بوك”، قال حسان العباسي، شقيق الطبيبة رانيا العباسي، إنّ العائلة أمضت سنوات طويلة تبحث عن أي معلومة تكشف مصير شقيقته وزوجها وأطفالها، مؤكداً أن أصعب ما واجهه ذوو المفقودين لم يكن الغياب بحد ذاته، بل انتظار الحقيقة لسنوات دون إجابات.
وأضاف أن العائلة تلقت خلال السنوات الماضية معلومات وشهادات متفرقة حول مصير أفراد الأسرة، إلا أن اللحظة الأكثر قسوة جاءت عندما تمكنت، عبر جهات ومنظمات معنية بملف المفقودين، من الاطلاع على تسجيلات مصورة مرتبطة بجرائم حي التضامن.
وأوضح أن أحد المقاطع المنسوبة إلى أمجد يوسف أظهر أطفالاً داخل غرفة مظلمة، بينما كان يتحدث عنهم بطريقة ساخرة ويتهمهم بالإرهاب.
وقال العباسي: “تمكنا من خلال إحدى الجهات المعنية بكشف مصير المفقودين من مشاهدة بعض الفيديوهات. تعرفنا على أطفالنا فيها. كنا نبحث عن أي معلومة منذ سنوات، لكن ما رأيناه كان صادماً ومؤلماً إلى حد لا يوصف”.
وأضاف أن العائلات لا تبحث فقط عن معرفة ما إذا كان أبناؤها أحياء أم أمواتاً، بل تسعى أيضاً إلى معرفة الحقيقة كاملة؛ كيف ارتُكبت الجرائم، ومن نفذها، ومن أصدر الأوامر، وأين دُفن الضحايا.
عائلة عمايري الفلسطينية… اختفاء مشابه ومصير مجهول
وتتشابه هذه المعاناة مع ما يعيشه الفلسطيني زياد عمايري، الذي لا يزال منذ أكثر من ثلاثة عشر عاماً يبحث عن مصير عشرة من أفراد عائلته الذين اختفوا في حي التضامن جنوب دمشق.
ويروي عمايري لـ”قدس برس” تفاصيل الأيام الأخيرة قبل اختفاء أفراد أسرته، موضحاً أنهم اضطروا في تموز/يوليو 2013 إلى قضاء ليلة واحدة في منزل شقيقته بشارع نسرين في حي التضامن، بعدما تعذر عليهم العودة إلى مخيم اليرموك بسبب الأوضاع الأمنية وإغلاق الطرق المؤدية إليه.
وأشار إلى أن المنزل كان يضم والدته وعدداً من شقيقاته وأقارب آخرين، إضافة إلى طفلين هما حلا، التي لم يتجاوز عمرها عاماً وثلاثة أشهر، وحمزة الذي كان في الرابعة من عمره.
وقال إن محمد صالح الراس، المعروف باسم “أبو المنتجب”، وهو أحد قادة مجموعات الدفاع الوطني في المنطقة آنذاك، حضر إلى المنزل وأبلغ أفراد العائلة بضرورة إخلائه ومغادرته صباح اليوم التالي.
وأضاف: “اعتقدنا أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنهم سيغادرون المنزل بشكل طبيعي في اليوم التالي، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً”.
وتابع: “في الصباح عاد أبو المنتجب برفقة عناصر مسلحة. وبدلاً من السماح لهم بالمغادرة كما وعدهم، قام باعتقال جميع الموجودين داخل المنزل. ومنذ تلك اللحظة انقطعت أخبارهم بالكامل”.
وأكد عمايري أن المعتقلين كانوا من النساء والأطفال والمسنين، ولم يكن بينهم أي شخص يحمل السلاح أو يشارك في أعمال قتالية، ما جعل اختفاءهم الجماعي يشكل صدمة كبيرة للعائلة ولأهالي مخيم اليرموك.
ومنذ ذلك اليوم، خاضت العائلة رحلة طويلة من البحث عن أي أثر للمختفين، شملت مراجعة الأجهزة الأمنية والاستعانة بالوسطاء ودفع مبالغ مالية كبيرة أملاً في الحصول على معلومة تقود إلى مصيرهم، لكن دون جدوى.
وقال عمايري إن أكثر ما يؤلمه ليس فقط غياب أفراد عائلته، بل غياب الحقيقة نفسها.
وأضاف: “حتى اليوم لا نعرف ماذا جرى لهم. لا نعرف إن كانوا قد قُتلوا، ولا أين دُفنوا، ولا كيف انتهت حياتهم. كل ما نعرفه أنهم خرجوا من المنزل برفقة العناصر الذين اعتقلوهم، ولم يعودوا أبداً”.
ويرى عمايري أن إعلان الهيئة العامة للمفقودين نعي عائلة رانيا العباسي يمثل خطوة مهمة على طريق كشف الحقيقة، لكنه يثير في الوقت ذاته تساؤلات ملحة حول مصير آلاف المفقودين الآخرين الذين ما تزال عائلاتهم تنتظر إجابات.
وأكد أن قضية عائلة عمايري ليست حالة فردية، بل نموذج لعشرات العائلات الفلسطينية والسورية التي تعرضت للاعتقال والإخفاء القسري خلال سنوات النزاع، لا سيما في مناطق جنوب دمشق التي شهدت انتهاكات واسعة النطاق.
وبينما انتقلت قضية رانيا العباسي من مرحلة البحث عن المصير إلى مرحلة الاعتراف الرسمي بمأساتها، لا تزال عائلة عمايري، ومعها آلاف العائلات الأخرى، عالقة بين الأمل والفقدان، تنتظر اليوم الذي تنكشف فيه الحقيقة ويُعرف مصير أبنائها المفقودين.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY