Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الشهيد محمود العملة.. ضحية جديدة لرحلة لقمة العيش المجبولة بالدم

مع ساعات الفجر الأولى، كان الشاب الفلسطيني محمود زياد العملة (32 عامًا) يحاول، كغيره من مئات العمال الفلسطينيين، عبور “الجدار الفاصل” غرب بلدة “بيت أولا” شمال الخليل جنوب الضفة الغربية، للوصول إلى عمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948. لم يكن يحمل سوى أملٍ بتأمين لقمة العيش لعائلته، إلا أن رحلته انتهت برصاص قوات الاحتلال التي أصابته بجروح خطيرة قبل أن يرتقي شهيدًا بعد أيام من إصابته.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد العملة متأثرًا بإصابته برصاص قوات الاحتلال قرب بيت أولا، حيث أصيب بثلاث رصاصات في الرأس والبطن والقدم، أثناء محاولته الدخول إلى الداخل المحتل عبر إحدى ثغرات الجدار الفاصل.

وبحسب مصادر محلية، فإن العملة توجه فجر الأحد الماضي برفقة مجموعة من العمال إلى المنطقة الغربية من البلدة، وهي منطقة تشهد محاولات عبور يومية للعمال الفلسطينيين الباحثين عن فرص عمل داخل الخط الأخضر، في ظل الانهيار الاقتصادي المتصاعد في الضفة الغربية. وأوضحت المصادر أن قوات الاحتلال أطلقت النار باتجاه العمال، ما دفع محمود لمحاولة الاحتماء داخل سيارة في المكان، إلا أن الجنود لاحقوه وأطلقوا عليه الرصاص.

وتأتي هذه الحادثة بعد أقل من عشرة أيام على استشهاد الشاب زكريا قطوسة من بلدة “دير قديس” غرب رام الله، أثناء محاولته عبور الجدار الفاصل قرب بلدة “الرام” شمال القدس المحتلة، في مؤشر على تصاعد استهداف العمال الفلسطينيين خلال محاولاتهم الوصول إلى أماكن العمل.

وفي محافظة الخليل، التي تُعد من أكبر المحافظات الفلسطينية من حيث عدد العمال، تحولت رحلة البحث عن العمل إلى مغامرة محفوفة بالموت، إذ تشهد المناطق الغربية للمدينة الممتدة بمحاذاة الجدار الفاصل يوميًا عمليات مطاردة وإطلاق نار من قبل قوات الاحتلال بحق العمال الذين يحاولون العبور عبر فتحات الجدار.

ويؤكد سكان من بلدة “بيت أولا” أن المنطقة التي استشهد فيها العملة تشهد تواجدًا دائمًا لقوات الاحتلال، إلى جانب بؤر استيطانية ينطلق منها المستوطنون لمضايقة الأهالي والعمال، ما يجعلها منطقة خطرة للفلسطينيين الباحثين عن لقمة العيش.

وفي السنوات الأخيرة، تحولت مشاهد العمال المتجمعين قبل الفجر قرب الجدار الفاصل إلى صورة يومية تختصر معاناة الفلسطينيين، حيث يخرجون بأحلام بسيطة بحثًا عن فرصة عمل قد تنتهي باعتقال أو إصابة أو استشهاد.

وقال الناطق باسم “اتحاد عمال فلسطين” سعيد عمران، خلال تصريح لـ”قدس برس” اليوم الثلاثاء، إن آلاف العمال الفلسطينيين يواجهون واقعًا اقتصاديًا خانقًا، بعد فقدان عشرات الآلاف لأعمالهم منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة وتشديد الإجراءات وإلغاء عدد كبير من تصاريح العمل، ما دفع كثيرين لمحاولات التسلل عبر الجدار رغم المخاطر.

وأشار عمران إلى أن مؤشرات الفقر والبطالة تتزايد بصورة غير مسبوقة، مع فقدان مئات العائلات مصادر دخلها الأساسية، خاصة تلك التي كانت تعتمد على العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

ويؤكد مختصون اقتصاديون أن توقف العمال عن الوصول إلى أعمالهم تسبب بخسائر كبيرة انعكست على مختلف القطاعات التجارية والخدمية.

ورغم المخاطر، يواصل العمال محاولاتهم اليومية لعبور الجدار، في ظل غياب البدائل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل داخل الضفة الغربية، ما يجعل العمل داخل الخط الأخضر الخيار الوحيد لآلاف الأسر الفلسطينية.

ويرى الخبير الاقتصادي مجدي محسن لـ”قدس برس” أن الاحتلال يستخدم الاقتصاد أداة ضغط إضافية على الفلسطينيين عبر التحكم بتصاريح العمل وإغلاق المعابر وتشديد القيود، ما يدفع العمال إلى سلوك طرق خطرة وغير قانونية للوصول إلى أماكن العمل.

وأكد أن استهداف العمال العزّل بالرصاص الحي يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، محذرًا من تصاعد سياسة إطلاق النار المباشر في محيط الجدار الفاصل في ظل غياب المساءلة الدولية.

وفي ظل هذا الواقع، تتفاقم الأزمة الإنسانية في الضفة الغربية مع استمرار التدهور الاقتصادي، إذ تواجه أسر فقدت معيلها أو مصدر دخلها ظروفًا معيشية قاسية، بينما يواصل العمال دفع ثمن البحث عن لقمة العيش.

ولم تكن رحلة محمود العملة الأخيرة سوى محاولة جديدة للنجاة من واقع اقتصادي يزداد قسوة، لتبقى حكايات العمال الفلسطينيين بين الجدار والرصاص، حيث تنتهي بعض الرحلات إلى الشهادة.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY