تشهد الواجهة البحرية المدمرة في قطاع غزة محاولات ومبادرات فردية لإعادة الحياة إلى “الكورنيش”، على الرغم من الدمار الواسع الذي طال المنشآت والخدمات السياحية.
وتتخذ هذه المبادرات طابع تحدي المستحيل؛ إذ يسعى السكان إلى تحويل الركام إلى مساحات صالحة للحياة بأدوات بسيطة وإمكانيات ذاتية مع حلول فصل الصيف، بعد أن كان قطاع السياحة قبل الحرب يضم نحو خمسة آلاف منشأة متنوعة.
شاطئ النصيرات.. الإصرار على البداية من الصفر
على شاطئ بحر النصيرات وسط القطاع، بدأ الشقيقان مصطفى ورامي الصالحي مشروعهما بإقامة استراحة بحرية، بديلة عن استراحتهم التي تعرضت لقصف إسرائيلي صيف العام الماضي.
ورغم تحول واجهة غزة البحرية إلى كومة من الركام نتيجة تكدس أطنان الأنقاض الناجمة عن تدمير المنازل والأحياء، إلا أن ذلك لم يمنع الشقيقين من البدء من جديد.
وأمام هذا الواقع، اضطر الشقيقان للاعتماد على البساطة، فقاما بشراء أكياس الطحين الفارغة وملئها برمال البحر ليقيما جدارا ليستند إليه الزوار، بجانب كانون من النار وبضعة أكواز من الذرة، وموقد على الحطب لإعداد الشاي والقهوة، وبضعة كراسي تم استصلاحها من بقايا البيوت المدمرة.
يقول رامي، صاحب الاستراحة، لـ”قدس برس”: “نحاول أن نستعيد نشاطنا الذي توقف قبل الحرب، كنا نمتلك استراحة كبيرة نعيش منها، ولكنها دمرت نتيجة تعرضها لقصف من زوارق الاحتلال، والتي لم يبقَ منها شيء”.
ويتابع رامي حديثه وهو ينظر إلى الأنقاض المحيطة بالمكان، “رغم أن الحرب لم تترك لنا شيئا، وكل ما حولنا تحول إلى ركام، إلا أننا قررنا ألا نستسلم للواقع، أردنا من خلال هذه الأكياس وبقايا الكراسي أن نصنع مساحة صغيرة للأمل، لنثبت لأنفسنا وللناس هنا أننا قادرون على الحياة والبدء من الصفر مهما جرى”.
أكياس الإغاثة تتحول إلى مظلات صمود
هذا الإصرار يتكرر في مناطق أخرى من الساحل؛ حيث يقف المواطن حاتم أبو شهلا وسط ركام ما كان يوما استراحته الفاخرة في كورنيش غزة، ينظر حوله إلى جبال من الركام، ويتذكر كيف كانت تصدح بالموسيقى، قبل أن يتبدد كل شيء ليحل بدلا منها مخيمات النازحين.
لم يستسلم حاتم لهذا الواقع، بل أخذ يجمع أكياس الطحين الفارغة التي ألقاها النازحون خلفهم، والمليئة بوسوم منظمات الإغاثة، غسلها بماء البحر ثم خاطها ببعضها لساعات طويلة، ليصنع منها مظلات بلون أبيض، لحجب أشعة الشمس الحارقة.
يقول حاتم لـ”قدس برس” “فقدت غزة واجهتها البحرية تماما، لقد سحقت الحرب قطاع السياحة، وحلت مكان الاستجمام والترفيه مخيمات النزوح، لن نقف نتفرج على مصابنا الجلل، لذلك قررت النهوض من جديد وإعادة بناء الاستراحة بما يتوفر من إمكانيات بسيطة.
يبني حاتم استراحته الجديدة بصبر فائق وبأدوات بدائية؛ حيث ينصب الأعمدة وهي أنابيب بلاستيكية ضخمة جمعها من بقايا شبكات الصرف المدمرة، ونظفها، ومن تحت الأنقاض، جمع بقايا الكراسي البلاستيكية المحطمة، وأعاد ربط مفاصلها باللاصق الحراري والأسلاك الحديدية لتعود قادرة على حمل المواطنين.
مختبر للصمود اليومي
تحولت استراحة حاتم إلى ما يشبه المختبر للصمود؛ حيث استخدم حجارة المنازل المجاورة التي سويت بالأرض ليرصها فوق بعضها بدقة فنية صانعا سورا يمنح الزوار شعورا بالخصوصية، وغرس في فراغاتها معلبات فارغة ملأها بالرمل وزرع فيها وريحان.
أما منصة المشروبات، فكانت قطعة من الخرسانة التي سقطت بفعل قذيفة، وضع عليها لوحا خشبيا كتب عليه بالفحم: “شاي بالمرمية، قهوة على الريحة، ماء بارد”.
وارتكبت “إسرائيل” منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 -بدعم أميركي أوروبي- إبادة جماعية في قطاع غزة، شملت قتلا وتجويعا وتدميرا وتهجيرا واعتقالا، متجاهلة النداءات الدولية وأوامر لمحكمة العدل الدولية بوقفها.
وخلفت الإبادة أكثر من 245 ألف فلسطيني بين شهيد وجريح معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 11 ألف مفقود، إضافة إلى مئات آلاف النازحين ومجاعة أزهقت أرواح كثيرين معظمهم أطفال، فضلا عن الدمار الشامل ومحو معظم مدن القطاع ومناطقه من على الخريطة.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY