Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الأرض والماء معًا.. سياسة طويلة المدى لتفكيك الاقتصاد الفلسطيني الريفي

في الريف الفلسطيني، لم تعد معركة المزارعين تقتصر على الحفاظ على الأرض فقط، بل باتت تمتد إلى الدفاع عن مصادر المياه وحق الوصول إليها، في مواجهة سياسة متواصلة تعيد تشكيل الجغرافيا الزراعية والاقتصادية لصالح التوسع الاستيطاني.

ويواجه المزارعون في عشرات القرى المحاذية للطرق الالتفافية والبؤر الاستيطانية قيودًا متزايدة تمنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية، عبر إغلاق الطرق، والاعتداءات المتكررة، وتحويل مساحات واسعة إلى مناطق رعوية يسيطر عليها المستوطنون بالقوة.

ولا تقف هذه الممارسات عند حدود التضييق على الحركة، بل تمتد إلى السيطرة على الآبار ومصادر المياه والأراضي الخصبة، ما يحرم العائلات الريفية من مواردها الأساسية ويقوض قدرتها على الاستمرار في الزراعة والإنتاج.

ومع تكرار منع المزارعين من فلاحة أراضيهم أو رعايتها، تتعرض مساحات واسعة لخطر المصادرة التدريجية، ضمن سياسة طويلة المدى تستهدف تفكيك الاقتصاد الفلسطيني الريفي، ودفع السكان نحو العزوف عن الزراعة أو الهجرة من أراضيهم.

وفي ظل غياب الحماية واستمرار التوسع الاستيطاني، تتحول الأرض والماء إلى أداتي ضغط مركزيتين تُستخدمان لإضعاف الوجود الفلسطيني في المناطق الريفية، وفرض واقع جديد يعيد رسم العلاقة بين الإنسان وأرضه تحت وطأة السيطرة والعزل.

ويقول المزارع سامح خطاطبة من بلدة بيت فوريك إن واقع المزارعين بعد منعهم من فلاحة أراضيهم الواقعة في السهل القريب من الطريق الاستيطاني، فاقم حجم المعاناة والخسائر.

وأضاف لـ”قدس برس”: “نحن كمزارعين في سهل بيت فوريك نعيش معاناة متواصلة بسبب اعتداءات المستوطنين ومنعنا من الوصول إلى أراضينا الزراعية ومناطق الرعي. ما يحدث لم يعد حادثة عابرة أو إجراءً مؤقتًا، بل أصبح واقعًا متكررًا يُفرض على المزارعين الفلسطينيين، خاصة في المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية والمستعمرات الرعوية”.

وتابع: “حين يُحرم المزارع من الوصول إلى أرضه، فإنه لا يخسر موسمًا زراعيًا فحسب، بل تتعطل دورة الإنتاج كاملة، ويصبح مصدر رزق عائلته مهددًا على المدى الطويل”.

وأوضح خطاطبة أن الأهالي يعتمدون بشكل أساسي على الزراعة وتربية المواشي، لكن منعهم من الوصول إلى المراعي والينابيع والآبار الارتوازية أدى إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتقلص الثروة الحيوانية، نتيجة ارتفاع تكاليف الأعلاف وصعوبة تأمين المياه والاستقرار في الأرض، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على الوضع الاقتصادي للعائلات الريفية.

من جهته، يقول المزارع فريد حنيني إن استمرار هذه الضغوط والاعتداءات يدفع كثيرًا من المزارعين إلى خيارات قاسية، أبرزها ترك المهنة أو الابتعاد عن أراضيهم، خاصة في المناطق الزراعية المفتوحة.

وأضاف في حديثه لـ”قدس برس”: “ما يجري اليوم لا يمكن اعتباره مجرد تضييق، بل سياسة واضحة تستهدف إضعاف المزارع الفلسطيني ودفعه تدريجيًا للتخلي عن أرضه”.

بدوره، قال الناشط علاء خطاطبة إن ما يحدث في المناطق الشرقية من نابلس، وخصوصًا في بلدة بيت فوريك والمناطق المحيطة بها، يمثل “سياسة ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه”.

وأوضح أن التوسع في البؤر الاستيطانية والمستعمرات الرعوية لم يعد يقتصر على إقامة بؤر جديدة، بل أصبح وسيلة لفرض السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي والينابيع والآبار الارتوازية.

وأكد خطاطبة لـ”قدس برس”، أن هذه الممارسات تتم بدعم سياسي وأمني ومالي من سلطات الاحتلال، ضمن سياسة طويلة المدى تهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض، مشيرًا إلى أن الغاية الأساسية منها هي تضييق الخناق على المزارعين الفلسطينيين، وإضعاف قدرتهم على الاستمرار في الإنتاج الزراعي، ودفعهم تدريجيًا إلى الرحيل عن أراضيهم، خاصة في المناطق الزراعية المفتوحة.

وفي سياق الاعتداءات المتواصلة التي تستهدف المزارعين الفلسطينيين في ريف نابلس، لم تقتصر هذه الممارسات على بلدة بيت فوريك، بل امتدت إلى قرى جنوب نابلس، ومنها بلدة عوريف، حيث أخذت اعتداءات المستوطنين منحى أكثر خطورة تمثل بالسيطرة على الآبار ومصادرة مصادر المياه، إلى جانب منع المواطنين من الوصول إلى بساتينهم المزروعة بأشجار الزيتون والتين واللوزيات.

كما تعمد مجموعات من المستوطنين إلى إطلاق أغنامها للرعي داخل الأراضي الزراعية الفلسطينية، ما يتسبب بإتلاف المحاصيل والأشجار وإلحاق خسائر مباشرة بالمزارعين، في إطار سياسة متواصلة تهدف إلى التضييق على السكان وإضعاف ارتباطهم بأرضهم ومصادر رزقهم.

ويقول المزارع خليل شحادة، أحد مزارعي بلدة عوريف: “تشهد منطقتا الصفرة والغربية الواقعتان بين قريتي عوريف وجماعين تصاعدًا خطيرًا في اعتداءات المستوطنين، حيث بات المزارعون يُمنعون بشكل متكرر من الوصول إلى أراضيهم الزراعية ومناطق الرعي، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد يهدف إلى السيطرة التدريجية على مساحات واسعة من الأراضي”.

وأضاف أن مجموعات من المستوطنين أقامت خلال الفترة الأخيرة وجودًا دائمًا في محيط الأراضي الزراعية، وشرعت بأعمال توسعة ورعي مكثف، إلى جانب ملاحقة المزارعين ومنعهم من استصلاح أراضيهم أو الوصول إلى الينابيع والآبار الارتوازية التي تشكل مصدرًا أساسيًا للزراعة وتربية المواشي.

من جانبه، يقول الناشط والمتابع لملف مقاومة الاستيطان بشار القريوتي إن السيطرة على مصادر المياه ليست أمرًا ثانويًا، بل تأتي ضمن سياسة تستهدف شلّ القدرة الزراعية الفلسطينية، خاصة أن هذه الينابيع والآبار تمثل ثمرة جهد واستثمار طويل للمزارعين على مدار سنوات.

وأضاف القريوتي، في حديثه لـ”قدس برس”، أن حرمان المزارعين من المياه يؤدي بشكل مباشر إلى تراجع الإنتاج الزراعي وتآكل الثروة الحيوانية، فضلًا عن زيادة الأعباء الاقتصادية على العائلات الريفية التي تعتمد على الزراعة كمصدر رئيسي للعيش.

وأكد أن ما يجري اليوم في المنطقة يتجاوز كونه اعتداءات فردية، بل يعكس نهجًا منظمًا تدعمه البؤر الاستيطانية والمستعمرات الرعوية، من خلال فرض السيطرة على الأراضي المفتوحة والمراعي ومصادر المياه، بهدف دفع السكان الفلسطينيين إلى الرحيل التدريجي وتقويض أي إمكانية لتنمية زراعية مستقلة.

وأشار القريوتي إلى أن ما يحدث في منطقتي الصفرة والغربية في بلدة عوريف، إضافة إلى ما يجري في سهل بيت فوريك ومناطق وقرى أخرى، يأتي ضمن سياسة تصعيدية تنفذها مجموعات المستوطنين بحماية من جيش الاحتلال، بهدف فرض السيطرة على مزيد من الأراضي الفلسطينية، خاصة المناطق الزراعية والرعوية.

وختم بالقول إن الاحتلال يدرك أن استهداف القطاع الزراعي يعني إضعاف صمود المواطنين ودفعهم تدريجيًا إلى ترك أراضيهم، لافتًا إلى أن المستعمرات الرعوية والبؤر الاستيطانية أصبحت أداة رئيسية للاستيلاء على الأراضي عبر فرض أمر واقع بالقوة، مستفيدة من الدعم الحكومي والحماية الأمنية، ضمن سياسة طويلة المدى تستهدف خنق الاقتصاد الفلسطيني وربط الفلسطينيين بحالة تبعية اقتصادية للاحتلال.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY