في الذكرى الثامنة والسبعين لنكبة فلسطين، يواصل أبناء جيل زد من فلسطينيي سوريا حضورهم في المشهد العام بوصفهم امتدادًا لجيل نشأ داخل اللجوء وتوارث آثار النكبة، مع تحولات في أدوات التعبير فرضتها المتغيرات السورية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة.
وينتمي هذا الجيل إلى واقع اجتماعي متداخل، بين من عاش النزوح إلى الشمال السوري ثم عاد إلى ريف دمشق، ومن استقر في مناطق نزوح داخلية مثل قدسيا، الزاهرة والمعضمية، ضمن ظروف معيشية صعبة.
ويرى أبناء هذا الجيل أن النكبة ليست حدثًا تاريخيًا منفصلًا، بل ذاكرة ممتدة تتجسد في تفاصيل اللجوء والحياة داخل المخيمات، وتُستحضر اليوم أيضًا عبر الوسائط الرقمية التي أعادت صياغة الرواية الفلسطينية بلغة جديدة.
بين التجربة الشخصية والتحولات السورية
يقول أحمد الخطيب (24 عامًا) من العائدين من الشمال السوري إلى مخيم اليرموك: “عندما تم تهجيرنا من مخيم اليرموك إلى الشمال السوري عام 2018، صادف ذلك ذكرى النكبة في ذلك العام، فكان الشعور مضاعفًا؛ كأننا نعيش امتداد النكبة في سياق جديد.”
وأضاف في حديثه لـ”قدس برس” أن التحولات التي شهدتها سوريا خلال السنوات الأخيرة انعكست على طريقة تفكيره: قائلا “التجربة التي مررنا بها، ومع التغيّرات الكبيرة التي حصلت في سوريا وما رافقها من تغيّر النظام، جعلت مفهوم التغيير والتحرر أقرب إلى الذهن وأكثر واقعية. هذا انعكس أيضًا على نظرتنا لفلسطين وحلم العودة.”
ويشير إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي عززت هذا الحضور: “اليوم نتابع فلسطين لحظة بلحظة عبر السوشيال ميديا، وهذا جعل النكبة حاضرة في وعينا اليومي وليس مجرد ذكرى سنوية.”
القضية الفلسطينية… ثبات في الانتماء وتحوّل في الأدوات
أما سلمى العلي (22 عامًا) وهي تسكن مع عائلتها في قدسيا بريف دمشق: فترى أن “النكبة بالنسبة لها ليست ذكرى فقط، بل واقع نعيشه بشكل مختلف. وتضيف: نحن لم نرثها كقصة، بل كحياة يومية داخل المخيم والمنفى. ومع وسائل التواصل، أصبحنا نفهمها ونعبّر عنها بطريقة أوسع.”
ولفتت أن “التجربة السورية وما رافقها من نزوح وتغيرات جعلتنا نفهم معنى المنفى بشكل أعمق، وبالتالي أصبحنا نرى النكبة كحالة ممتدة وليست حدثًا من الماضي.”
بين الذاكرة الرقمية وتجربة المدينة
يقول ياسر محمود (21 عامًا) من سكان الزاهرة بدمشق: “نحن جيل نشأ على السوشيال ميديا، لذلك علاقتنا بالقضية الفلسطينية لم تعد فقط عبر الرواية العائلية أو المناسبات، بل عبر الصورة والفيديو والمنصات الرقمية.”
ويضيف: “هذا جعل القضية أقرب إلينا، لكنه في الوقت نفسه حمّلنا مسؤولية أكبر في الفهم والتحقق ونقل الرواية بشكل صحيح.”
هل يختلف تأثير النكبة على هذا الجيل؟
يرى الأكاديمي محمد أبو الفتح أن تأثير النكبة على جيل زد من فلسطينيي سوريا لا يختلف في الجوهر، لكنه يختلف في شكل التلقي؛ فبينما اعتمدت الأجيال السابقة على الرواية الشفوية والتجربة المباشرة مع اللجوء، يتشكل وعي هذا الجيل عبر تراكمات المنفى وتجارب النزوح المتكرر والوسائط الرقمية، إضافة إلى انعكاسات التحولات السورية على إدراك مفاهيم التغيير والتحرر.
ولفت بأن هذا الجيل يميل إلى التعبير الفردي عبر الوسائط الرقمية، مع اعتماد متزايد على المحتوى البصري والسرد المختصر، دون أن يعني ذلك تراجعًا في الارتباط بالقضية، بل تحولًا في أدوات التعبير عنها.
وفي الذكرى الـ78 لنكبة فلسطين، يظهر “جيل زد” من فلسطينيي سوريا بوصفه امتدادًا لذاكرة طويلة من اللجوء، لكنه في الوقت ذاته يعيد صياغة هذه الذاكرة ضمن سياق متغير، تتداخل فيه تجربة النكبة مع التحولات السورية، ومع أدوات رقمية أعادت تشكيل خطاب الهوية والعودة والتحرر.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY