Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

الطائرات الورقية.. ذريعة إسرائيلية جديدة لتصعيد القصف على غزة

لم تكن الطائرات الورقية، في ظاهرها، سوى تفصيل صغير في المشهد الغزي، لكن تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، وما رافقها من تغطية واسعة في الإعلام الإسرائيلي، دفعت بها إلى واجهة الخطاب الأمني الإسرائيلي، وحولتها من لعبة مرتبطة بالأطفال إلى ما تصفه الحكومة الإسرائيلية بأنه “عمل حربي”.

وأعلن كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيتعامل مع إطلاق الطائرات الورقية والبالونات والمسيّرات من قطاع غزة وفق سياسة “صفر تسامح”، معتبراً أن كل عملية إطلاق تمثل “عملاً حربياً”، سواء كانت الطائرة تحمل مواد متفجرة أم لا.

وتحدثت الحكومة الإسرائيلية، بالتوازي، عن إجراءات تشمل استهداف المسؤولين عن عمليات الإطلاق وإخلاء مناطق في قطاع غزة إذا استمرت هذه الظاهرة.

من لعبة أطفال إلى “تهديد أمني”

وتكمن المفارقة في أن تقارير إسرائيلية تحدثت عن طائرات ورقية لا تحمل متفجرات، فيما أشارت تقارير أخرى إلى أن الجيش الإسرائيلي نفسه يميز بينها وبين التهديدات العسكرية الفعلية. ومع ذلك، جرى وضع الطائرات الورقية والبالونات والمسيّرات في خطاب أمني واحد، بما منح الظاهرة بعداً عسكرياً وسياسياً يتجاوز حجمها الميداني.

وهكذا، انتقل النقاش من سؤال محدود حول طبيعة هذه الطائرات وما إذا كانت تشكل خطراً فعلياً، إلى خطاب يتحدث عن “إرهاب الطائرات الورقية” وضرورة الرد بالقوة، في صياغة إعلامية وأمنية تسعى إلى تضخيم الظاهرة ومنحها وزناً أكبر في المشهد الإسرائيلي.

ولم تكتفِ التغطية في الإعلام العبري بنقل تصريحات كاتس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، بل قدمت الطائرات الورقية باعتبارها جزءاً من تحدٍ أمني جديد على حدود قطاع غزة. وركزت بعض التقارير على تأثيرها في ما تسميه “الشعور بالأمن” لدى المستوطنين، رغم إقرارها بأن الخطر العسكري المباشر الناجم عن الطائرات الورقية محدود.

ذريعة جديدة للتصعيد

ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن الاحتلال الإسرائيلي، وتحديداً رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن الإسرائيلي، اتخذ من قضية الطائرات الورقية ذريعة جديدة لتكثيف الغارات الجوية والقصف على قطاع غزة، بعد فقدان ذريعة “نزع سلاح حماس” التي استخدمتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية.

وقال أبو قمر لـ”قدس برس” إن الاتفاق بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء على خارطة الطريق، ولا سيما ما يتعلق بتخزين السلاح، سحب من نتنياهو مبرراً كان يستخدمه منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وأضاف أن الاحتلال بدأ، نتيجة لذلك، بالبحث عن ذريعة جديدة لتبرير تصعيده العسكري، معتبراً أن ما جرى بشأن الطائرات الورقية لا يتعدى كونه “مسرحية”.

وأوضح أن المنطقة الحدودية تخضع لإجراءات ورقابة عسكرية إسرائيلية تمتد عدة كيلومترات داخل قطاع غزة، وبالتالي فإن الحديث عن طائرة ورقية يطلقها أطفال من داخل القطاع وتصل إلى مناطق “الغلاف”، ثم التعامل معها باعتبارها تهديداً أمنياً، لا يبدو منطقياً، خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي نفسه أعلن، في حالات سابقة، أن بعض هذه الطائرات لا تشكل خطراً على إسرائيل.

وأشار أبو قمر إلى أن حجم الغارات الإسرائيلية التي شهدها القطاع واستهداف مرافق حيوية، من بينها محطة لتحلية المياه، لا يتناسب مع طبيعة التهديد المزعوم الذي تمثله الطائرات الورقية، ما يعزز، بحسب تقديره، فرضية استخدامها ذريعة لتبرير تصعيد أوسع ضد قطاع غزة.

“ضربات انتخابية” لنتنياهو

ويرجح أبو قمر أن يواصل نتنياهو استخدام هذه الذريعة خلال الفترة المقبلة، ولا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات، في إطار ما وصفه بـ”الضربات الانتخابية”، بهدف تعزيز رصيده السياسي من خلال استعراض القوة العسكرية ضد قطاع غزة.

ويشير إلى أن أي تصعيد إسرائيلي مقبل في القطاع يمكن وضعه في هذا السياق، باعتبار أن نتنياهو قد يسعى إلى تقديم نفسه أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره القائد القادر على التعامل مع ما يصفه بالتهديدات الأمنية، حتى لو جاء ذلك على حساب الاتفاقات المبرمة والجهود التي يبذلها الوسطاء.

ويحذر أبو قمر من أن هذا المسار قد يقود إلى تصعيد متواصل في الهجمات الإسرائيلية على قطاع غزة، خصوصاً إذا شعر نتنياهو بأن رصيده لدى الجمهور الإسرائيلي يتراجع. وفي هذه الحالة، قد يسعى، وفق تقديره، إلى التنصل من الالتزامات التي فرضتها الاتفاقات، والالتفاف على جهود الوسطاء والضامن الأميركي، بما يتيح له مواصلة استهداف القطاع خلال المرحلة المقبلة.

السيطرة على غزة حتى الطائرات الورقية

من جهته، يرى المحلل السياسي حازم عياد أن حكومة الاحتلال، ممثلة بكاتس والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، تريد من خلال موقفها من الطائرات الورقية التأكيد على أنها تفرض سيطرة شاملة على قطاع غزة، جواً وبراً وعبر الممرات، بما في ذلك التعامل مع الطائرات الورقية التي كانت، في مرحلة سابقة، تمثل مصدر إزعاج للاحتلال إلى جانب البالونات الحارقة.

وقال عياد لـ”قدس برس” إن الاحتلال يريد أن يؤكد أنه لن يسمح بعودة أي من مظاهر الحياة الطبيعية في قطاع غزة، مشيراً في الوقت ذاته إلى تداخل هذا التوجه مع أهداف انتخابية لدى نتنياهو، في مسعى لاكتساب مزيد من الأصوات، فضلاً عن رغبة نتنياهو ووزير أمنه في إظهار السيطرة المطلقة وفرض حالة من الموت على القطاع.

وأضاف أن السياسة التصعيدية الإسرائيلية مرشحة للاستمرار خلال المرحلة المقبلة، مع توقع تشدد الاحتلال في بعض الإجراءات بين حين وآخر.

الطائرات الورقية.. مخرج للوسطاء

ويشير عياد إلى أن تحويل الطائرات الورقية إلى قضية أمنية يوفر، من وجهة نظره، “مخرجاً للوسطاء ومخرجاً للجانب الأميركي”، لكنه في الوقت نفسه يصعب تبريره باعتباره هدفاً عسكرياً قائماً بذاته.

وشدد على أن مواجهة هذا الخطاب تتطلب موقفاً سياسياً واضحاً وبناء سردية فلسطينية ودولية مضادة، من خلال خطاب إعلامي وسياسي قادر على كشف الموقف الإسرائيلي ووضعه أمام الرأي العام، معتبراً أن القضية يمكن أن تشكل أساساً لحملة إعلامية جديدة لمناصرة الشعب الفلسطيني.

وهكذا، تبدو الطائرات الورقية أبعد من مجرد ظاهرة عابرة في سماء غزة؛ إذ تحولت إلى عنوان جديد في الخطاب الأمني الإسرائيلي، وذريعة محتملة لتبرير مزيد من التصعيد، في وقت تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع الاعتبارات السياسية والانتخابية.

وكان نتنياهو وكاتس قد هددا، الأحد، بتكثيف العمليات العسكرية إذا لم تتوقف عمليات إطلاق الطائرات الورقية والمسيّرات والبالونات، كما هددا بإجلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها.

وندّدت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بهذه التهديدات، وقالت المتحدثة باسمها رافينا شمدساني إن التهديد بطرد السكان “بسبب إطلاق أطفال لطائرات ورقية” أمر “شائن”.

وأضافت أن التصريحات الإسرائيلية تأتي في إطار “خطاب غير مقبول” يصدر عن أعلى مستويات السلطات الإسرائيلية، ويعكس، بحسب قولها، “ازدراء تاما للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني”.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY