تحوّلت تلال “علي الطاهر” في جنوب لبنان، خلال الفترة الأخيرة، إلى واحدة من أبرز نقاط التوتر الميداني، في ظل تصاعد الحديث عن محاولات إسرائيلية للسيطرة عليها، بالنظر إلى موقعها المرتفع وإشرافها على مساحات واسعة من الجنوب، وما توفره السيطرة عليها من مزايا عسكرية وأمنية، فضلاً عن أبعادها السياسية والتفاوضية.
وبينما تضع “إسرائيل” هذه المرتفعات في صلب حساباتها العسكرية جنوب لبنان، يرى خبراء عسكريون واستراتيجيون، في تصريحات خاصة لـ”قدس برس”، أن أهمية علي الطاهر لا تنبع من كونها تلة منفردة، وإنما من موقعها ضمن منظومة أوسع من المرتفعات والمحاور التي تتحكم بحركة القوات والممرات والمساحات المحيطة.
“علي الطاهر” جزء من “هندسة الجغرافيا العسكرية” للجنوب
يرى العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري اللبناني منير شحادة أن أهمية “علي الطاهر” بالنسبة إلى “إسرائيل” “تتجاوز بكثير كونها موقعاً عسكرياً منفرداً”، موضحاً أن ارتفاعها، الذي يقارب 600 متر، وإشرافها على النبطية ومحيطها، يمنحان الجهة التي تسيطر عليها قدرة مهمة على المراقبة وربط محاور الحركة النارية في المنطقة.
ويشير شحادة، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إلى أن الأهمية الأكبر للموقع تكمن في وجوده ضمن منظومة المرتفعات الممتدة بين “علي الطاهر” والشقيف ومحاور الليطاني، معتبراً أن تثبيت الوجود الإسرائيلي فيها قد يكون جزءاً من محاولة نقل مفهوم “المنطقة الأمنية” من شريط حدودي ضيق إلى عمق جغرافي أكثر اتساعاً.
ويقول إن “إسرائيل” لا تحتاج بالضرورة إلى احتلال كامل الجنوب حتى تغيّر معادلة الأمن فيه، إذ يكفيها، من الناحية العسكرية، الاحتفاظ بسلسلة من النقاط المرتفعة والممرات التي تتيح لها المراقبة والتدخل الناري.
وحول علاقة علي الطاهر بمفهوم “الحزام الأمني”، يرى شحادة أن العلاقة مباشرة من الناحية الاستراتيجية، موضحاً أن الحدود وحدها لا تصنع المنطقة الأمنية، وإنما تمنح المرتفعات التي تتحكم بالحدود والعمق قيمة عسكرية إضافية.
ويعتبر أن “علي الطاهر” قد تكون إحدى “عقد” هذه المنظومة، وليست بالضرورة الحزام بأكمله، لافتاً إلى أن تثبيت الوجود الإسرائيلي فيها قد ينقل مفهوم المنطقة الأمنية من منطقة عازلة قرب الحدود إلى منظومة دفاعية تعتمد على السيطرة على المرتفعات والمراقبة.
ويرى شحادة أن الموقع يمكن أن يتحول، في حال تثبيت السيطرة الإسرائيلية عليه، إلى ورقة تفاوضية في أي اتفاق مستقبلي، إذ إن امتلاك موقع داخل الأراضي اللبنانية يجعل الانسحاب منه قابلاً للتحول إلى ورقة تفاوضية مرتبطة بضمانات وترتيبات أمنية.
ويشير إلى أن امتلاك “إسرائيل” ورقة على الأرض يختلف عن المطالبة بها على الورق، موضحاً أن السيطرة الفعلية على مرتفع استراتيجي يمكن أن تدخل في أسئلة من قبيل: من أي مناطق سيكون الانسحاب؟ وبأي ضمانات؟ وبأي ترتيب؟
لكنه يشدد على أن السيطرة على قمة “علي الطاهر” لا تعني تلقائياً السيطرة على كامل المنطقة، موضحاً أن السيطرة على القمم أسهل من السيطرة على العمق الجبلي المحيط بها، وهو فارق عسكري مهم.
ويربط شحادة تكرار الحديث الإسرائيلي عن “علي الطاهر” بعدة عوامل، أبرزها الارتفاع والسيطرة البصرية وطبيعة الأرض، إلى جانب ما تتداوله “إسرائيل” من مزاعم بشأن وجود منشآت تحت الأرض، فضلاً عن العاملين السياسي والتفاوضي.
ويشير كذلك إلى عامل معنوي، معتبراً أن “إسرائيل” فشلت، بحسب تقديره، في احتلال التلة خلال محاولات سابقة.
ويعتبر شحادة أن ما يجري حول “علي الطاهر” يمكن قراءته في سياق محاولة إسرائيلية لإعادة إنتاج تجربة المواقع والمرتفعات التي اعتمدت عليها خلال احتلال الجنوب اللبناني قبل عام 2000، وإن كانت التكنولوجيا العسكرية الحالية قد غيّرت شكل هذا النموذج.
ويوضح أن الطائرات المسيّرة ووسائل الاستطلاع الإلكتروني والأقمار الصناعية والذخائر الدقيقة تسمح لـ”إسرائيل” بتحقيق جزء من وظائف الموقع العسكري من دون الحاجة إلى انتشار بشري واسع، إلا أن ذلك لا يلغي قيمة المرتفعات، بل يسمح بالجمع بين التكنولوجيا والمرتفعات والمنطقة الأمنية.
ويخلص شحادة إلى أن معركة علي الطاهر ليست معركة على تلة منفردة بقدر ما هي «صراع على هندسة الجغرافيا العسكرية للجنوب»، معتبراً أن إسرائيل تحاول بناء منظومة تعتمد على الحدود والمنطقة الأمنية والمرتفعات والمراقبة والقدرة على التدخل الناري.
المرتفعات تمنح “إسرائيل” السيطرة بالمراقبة والنيران
بدوره، يضع العميد الركن والخبير العسكري اللبناني محمد حرز أهمية “علي الطاهر” في سياق القيمة العسكرية للمرتفعات والتلال الحاكمة، موضحاً أن هذه المواقع تتمتع عادة بأهمية تكتيكية كبيرة من الناحية العسكرية.
ويقول حرز، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، إن “إسرائيل” تحاول، في معظم حروبها، السيطرة على المرتفعات في القرى والبلدات اللبنانية، لما توفره من قدرة على المراقبة والسيطرة بالنيران على مناطق واسعة من الجنوب والبقاع الغربي وصولاً إلى الجولان المحتل.
ويوضح حرز أن السيطرة على المرتفعات تمنح الجهة المسيطرة أفضلية عسكرية من خلال المراقبة والاستطلاع والسيطرة بالنيران على الممرات والقرى والوديان المقابلة، بما يؤدي إلى فرض واقع ميداني جديد على المناطق المحيطة، ومراقبة حركة القوات والسكان فيها.
ويعتبر أن أهمية مرتفع “علي الطاهر” تكمن في هذا السياق، مشيراً إلى أنه يشكل تحدياً كبيراً لـ”إسرائيل”، نظراً إلى إشرافه على قرى وبلدات في النبطية ومرجعيون، وصولاً إلى قرى في إقليم التفاح.
كما يرى أن “علي الطاهر” تمثل امتداداً لقلعة الشقيف من الناحية التكتيكية، ولا سيما في ما يتعلق بالمراقبة والسيطرة بالنيران.
ويشرح أن الطرف الذي يتحكم بهذه المرتفعات يصبح قادراً على الإمساك بالطرق والممرات وخطوط الإمداد في المنطقة والتحكم بها، بما يفرض واقعاً ميدانياً جديداً على السكان والقوى الموجودة فيها.
ويرى حرز أن السيطرة على “علي الطاهر”، إذا حدثت، ستمنح “إسرائيل” أهمية استراتيجية، فضلاً عن إمكانية استثمارها سياسياً، معتبراً أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد يوظف أي إنجاز عسكري في هذا المجال في الانتخابات المقبلة.
ويخلص إلى أن “إسرائيل” تسعى، بحسب تقديره، إلى السيطرة على علي الطاهر لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية واستراتيجية في المنطقة.
“علي الطاهر” بين الانتخابات الإسرائيلية واحتمالات التصعيد الإقليمي
من جهته، يرى المحلل والخبير الاستراتيجي اللبناني علي دربج أن قضية “علي الطاهر” تجاوزت، بحسب معلوماته، المسار التفاوضي اللبناني–الإسرائيلي–الأميركي، لتصل إلى مستوى أوسع يتعلق بالمسار الأميركي–الإيراني.
ويقول دربج في تصريح خاص لـ”قدس برس” إن معلوماته الصحفية تشير إلى أن الجانب الإيراني وضع ملف “علي الطاهر” على طاولة البحث في حال أقدمت “إسرائيل” على عملية عسكرية ضد التلة، محذراً من أن أي تدخل إيراني مباشر قد يؤدي إلى خروج المواجهة من إطارها اللبناني–الإسرائيلي وتحولها إلى مواجهة إقليمية أوسع.
وفي البعد الإسرائيلي الداخلي، يرى دربج أن “تفخيم” قضية علي الطاهر وتصويرها باعتبارها تلة استراتيجية تحتوي على أسلحة استراتيجية غير مسبوقة قد يكون هدفه انتخابياً بالدرجة الأولى، معتبراً أن نتنياهو يسعى إلى تسويق السيطرة عليها كإنجاز يمكن استثماره في الانتخابات المقبلة، سواء تمت السيطرة عبر المفاوضات أو العمل العسكري.
وفي الوقت نفسه، لا ينفي دربج أهمية الموقع، لكنه يرى أن أهميته ليست بالضرورة بالحجم الذي يصوّره الجيش الإسرائيلي، مشيراً إلى أن السيطرة عليها تمنح “إسرائيل” إطلالة على منطقة الجرمق والريحان، ويمكن أن تفتح، وفق تقديره، اتجاهات نحو البقاع الغربي.
ويقول دربج إن “إسرائيل” لم تسيطر، وفق معلوماته، على التلة حتى الآن، وإنها لا تزال تحت سيطرة المقاومة رغم تعرضها للحصار، مشيراً إلى وجود محاولات لإجراء ترتيبات تتعلق بتسليمها إلى الجيش اللبناني.
ويرى أن هذه الترتيبات تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في غياب الضمانات، متسائلاً عن الجهة التي يمكن أن تضمن عدم انتقال “إسرائيل”، في حال تسليم علي الطاهر، إلى قضم مناطق أخرى مثل الجرمق والريحان وكفررمان وصولاً إلى النبطية.
ويستشهد دربج بما يصفه بالسيطرة الإسرائيلية بالنار في منطقة المنصوري، معتبراً أن “إسرائيل” قد لا تحتاج إلى وجود عسكري مباشر داخل المنطقة حتى تفرض سيطرتها عليها بالنيران.
هذا وتقع “علي الطاهر” ضمن منظومة المرتفعات الاستراتيجية في جنوب لبنان، وتكتسب أهميتها من ارتفاعها وإشرافها على مناطق واسعة، فضلاً عن ارتباطها بجغرافيا عسكرية تشمل قلعة الشقيف ومحاور الليطاني والمرتفعات الممتدة في اتجاه الجرمق والريحان.
وتجمع القراءة العسكرية بين عاملين أساسيين في أهمية الموقع: الأول هو الارتفاع الذي يوفر أفضلية في المراقبة والاستطلاع والسيطرة بالنيران، والثاني هو موقعه ضمن شبكة من المرتفعات والممرات التي يمكن أن تتحكم بحركة القوات والإمدادات في المنطقة.
كما أن الموقع يحمل بعداً رمزياً ودينياً لوجود مقام الولي علي الطاهر، إلى جانب ما تتحدث عنه روايات إسرائيلية وإعلامية عن منشآت أو بنى عسكرية تحت الأرض، وهي معلومات تحتاج إلى التمييز بين ما يمكن التحقق منه وما يندرج في إطار المزاعم العسكرية.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY