تشهد العلاقات بين سوريا وباكستان منعطفاً دبلوماسياً لافتاً، مع بروز مؤشرات تقارب سياسي وأمني واقتصادي غير مسبوق منذ عقدين. فقد حملت زيارة وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني إلى إسلام آباد، يومي 19 و20 آب/أغسطس 2026، دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي، كونها أول زيارة لمسؤول سوري بهذا المستوى منذ عام 2007، والأولى بعد تشكيل الحكومة السورية الجديدة عقب الإطاحة بالنظام السابق.
وخلال سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة الباكستانية، بدا واضحاً أن البلدين يتجهان نحو إعادة هندسة العلاقة الثنائية عبر رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتفعيل الآليات المؤسسية المجمدة، وفتح الباب أمام تبادل الزيارات الرئاسية. كما حملت المحادثات بُعداً أمنياً لافتاً، مع إعلان دمشق أنها تدرس خيار الانضمام إلى “اتفاقية مكة للدفاع المشترك”، في خطوة تعكس رغبة في بناء مظلة ردع إقليمية بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور.
اقتصادياً، اتفق الجانبان على إطلاق مجلس أعمال مشترك وتنظيم منتدى للاستثمار في دمشق، إلى جانب تفعيل الرحلات الجوية المباشرة وتوسيع التعاون في مجالات التعليم والتجارة وتبادل الموارد البشرية، بما يشير إلى توجه نحو شراكة أوسع تتجاوز الاعتبارات السياسية التقليدية.
ويختلف خبراء وسياسيون سوريون حول طبيعة الموقف الإسرائيلي من التعاون السوري الباكستاني، ولا سيما ما يتعلق بمنظومات القيادة والسيطرة C2، بين من يرى أنها لا تمثل تهديداً مباشراً لإسرائيل، ومن يعتبر أن تل أبيب تنظر بقلق إلى أي خطوة تسهم في انتقال سوريا من حالة الهشاشة الأمنية إلى الاستقرار.
إسرائيل عقبة أمام التعاون الدفاعي
وقال السياسي والإعلامي أيمن عبد النور إن إسرائيل تشكل “عقبة أساسية” أمام أي انتقال سريع في العلاقات السورية الباكستانية نحو مستوى عسكري أو دفاعي متقدم. وأوضح أن تطوير العلاقة مع إسلام آباد قد يسير عبر مراحل قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، مرجحاً أن يتركز التعاون في المدى القريب على تدريب الضباط ونقل الخبرات، من دون أن تكون جميع تفاصيله معلنة.
وأشار عبد النور إلى أن إسرائيل “تراقب كل التفاصيل” المتعلقة بشكل الجيش السوري الجديد وطبيعة علاقاته الإقليمية، إلى جانب التطورات داخل وزارة الداخلية، معتبراً أن دمشق لا تستطيع التعويل بصورة كبيرة على ردع أمريكي يمنع التحركات الإسرائيلية. وبحسب تقديره، فإن إسرائيل تتعامل بحساسية خاصة مع أي أجهزة أو أسلحة يمكن استخدامها على الحدود أو ضدها، إضافة إلى أي منظومات قد تؤثر في حرية حركة طيرانها، ولا سيما الرادارات أو وسائل الدفاع الجوي التي قد تكشف أو تعيق الطائرات الإسرائيلية المتجهة نحو إيران.
C2 للأمن الداخلي لا للهجوم العسكري
في المقابل، استبعد الخبير الأمني والعسكري ضياء قدور أن يكون التعاون الجاري بين دمشق وإسلام آباد موجهاً بصورة مباشرة إلى تطوير قدرات عسكرية هجومية. وقال إن منظومة C2 التي يجري الحديث عنها هي منظومة للقيادة والسيطرة والتحكم، ويمكن استخدامها في الأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتجارة المخدرات، ولا تعد بحد ذاتها منظومة عسكرية هجومية.
وأضاف أن سوريا بحاجة في المرحلة الحالية إلى منظومة تساعد وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية على ربط المعلومات ومراقبة التهديدات وتحسين سرعة الاستجابة، ولا سيما في مواجهة تنظيم “داعش” والعبوات الناسفة وشبكات المخدرات والجريمة المنظمة. ورأى أن إسرائيل لن تكون لديها بالضرورة اعتراضات كبيرة على منظومات من هذا النوع، لأن “مصلحتها ليست في تحول سوريا إلى فوضى عارمة”، وإنما في منع ظهور قدرات عسكرية حساسة تحد من حرية عملها الجوي والبري.
وأشار قدور إلى أن إسرائيل تركز بصورة أكبر على الرادارات ومنظومات الدفاع التي يمكن أن تراقب حركة طيرانها، مستشهداً بالجدل الذي أثير حول الرادار الموجود في مطار دمشق وقدرته على كشف الطائرات الحربية.
مخاوف إسرائيلية من تعافي المؤسسات السورية
من جانبه، خالف الباحث الأمني والسياسي نوار قباقيبو هذا التقدير، معتبراً أن إسرائيل لم تعد تراقب المسار العسكري فقط، بل تتابع مختلف مؤشرات التعافي الأمني والمؤسساتي في سوريا. وقال إن تل أبيب تنظر حتى إلى تحسن قدرة الدولة السورية على ضبط شحنات السلاح والحد من التهريب وتعزيز عمل المؤسسات الأمنية باعتباره مؤشراً على انتقال البلاد من “الحالة الأمنية الهشة إلى الحالة الأمنية الصحية”.
وأضاف أن استقرار الوضع الأمني قد يفتح المجال أمام انتعاش اقتصادي وسياسي، وهو ما لا ترغب إسرائيل، وفق تقديره، في حدوثه سريعاً، لأنها تستفيد من بقاء سوريا في حالة ضعف وعدم استقرار لزيادة أوراق الضغط في المفاوضات. وأشار إلى أن السياسة الإسرائيلية في الجنوب السوري تعكس هذا التوجه، من خلال توسيع النقاط العسكرية والحواجز والاعتقالات والتحركات داخل المنطقة، بالتوازي مع مشاريع استيطانية غرب خط الفصل.
وحذر قباقيبو من وجود تشابه بين بعض ما يجري حالياً في الجنوب السوري والمراحل الأولى التي سبقت تثبيت الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الجولان المحتل، لافتاً إلى إقامة نقاط عسكرية وتوسيع البنى التحتية ودخول مستوطنين متطرفين إلى بعض المناطق. وأضاف أن حجم المراقبة الإسرائيلية يصل إلى تفاصيل صغيرة داخل مؤسسات الدولة، مشيراً إلى نشر مراكز دراسات إسرائيلية تحليلات تناولت حتى الهوية البصرية الجديدة لوزارة الداخلية السورية ونوعية اللباس والسلاح المستخدم.
الاتفاق الأمني بوابة التحالفات الأوسع
بدوره، رأى الكاتب أحمد الهواس أن انتقال سوريا مستقبلاً إلى تحالفات إقليمية أوسع سيبقى مرتبطاً بدرجة كبيرة بالتوصل إلى تفاهم أمني مع إسرائيل. وقال إن أي انضمام سوري إلى تحالف دفاعي يضم دولاً مثل باكستان والسعودية وتركيا سيواجه مشكلة جوهرية ما دامت الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا مستمرة، ولا سيما إذا كانت بنية التحالف تقوم على مبدأ الدفاع المشترك عن أي دولة تتعرض للاعتداء.
وأضاف الهواس أن سوريا تحاول من خلال التقارب مع باكستان توجيه رسالة بأنها قادرة على تنويع علاقاتها وصناعة حلفاء جدد خارج الحسابات التقليدية. وأشار إلى ما تمتلكه باكستان من قدرات عسكرية وتقنية وصناعات دفاعية وخبرة واسعة، إلى جانب وزنها بوصفها قوة نووية، معتبراً أن التقارب معها يمنح دمشق ورقة سياسية إضافية.
ورأى أن العلاقة المتوترة بين باكستان وإسرائيل تضيف بعداً حساساً إلى هذا التقارب، إلا أن الانتقال إلى تعاون عسكري متقدم سيظل مرتبطاً بمآلات التفاوض السوري الإسرائيلي وإمكانية الوصول إلى اتفاق أمني واضح.
اختبار لقدرة دمشق على تنويع شراكاتها
وبينما يتفق المتحدثون على حاجة سوريا إلى إعادة بناء قدراتها الأمنية وتوسيع شبكة علاقاتها الخارجية، يبقى الخلاف حول حدود ما يمكن أن تتسامح معه إسرائيل. ففي حين يرى قدور أن منظومات القيادة والسيطرة ذات الطابع الأمني لا تمثل تهديداً مباشراً لتل أبيب، يعتبر عبد النور وقباقيبو أن إسرائيل تراقب مجمل عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية، وقد تتحرك ضد أي تطور ترى أنه يمكن أن يحد مستقبلاً من حرية عملها.
وبذلك، يبدو التقارب السوري الباكستاني أبعد من مجرد تعاون تقني أو أمني، إذ يتحول إلى اختبار لقدرة دمشق على تنويع شراكاتها الإقليمية في بيئة أمنية معقدة تبقى “إسرائيل” أحد أبرز العوامل المؤثرة فيها.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY