Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

فتحي خازم.. حين يعود “المهمَّش” شهيدًا إلى حضن الحركة

لم تكن حياة فتحي زياد خازم، المعروف بـ”أبو الرعد” مجرد سيرة رجل عادي في مدينة جنين شمالي الضفة الغربية المحتلة؛ فقد تنقّل الرجل بين مهن البناء والحدادة والعمل الحر، قبل أن تنتهي حياته برصاص الاحتلال داخل منزله، تاركًا خلفه سؤالًا آخر لا يتعلق فقط بكيفية استشهاده، وإنما بكيف تعاملت معه الجهات التي كان أحد أبنائها.

في الجمعة 21 آب/ أغسطس، اقتحمت قوة إسرائيلية منزل خازم في حي الجابريات وسط مدينة جنين؛ وبحسب رواية عائلته ومصادر فلسطينية، حاول الجنود إخضاعه وإذلاله أمام زوجته وطفله، قبل أن يرفض الانصياع لهم، ويتطور الموقف إلى اشتباك بالأيدي، ثم يطلق الجنود عليه عدة رصاصات أردته شهيدًا، فيما احتجز الاحتلال جثمانه ومنع وصول الإسعاف إليه.

لم يكن أبو الرعد غريبًا عن المواجهة، فقد ولد في مخيم جنين عام 1966، واعتُقل خلال الانتفاضة الأولى، ثم التحق بعد تأسيس السلطة الفلسطينية بقوات الأمن الوطني، ووصل إلى رتبة عقيد؛ وشغل منصب نائب قائد منطقة نابلس.

لكن حياته أخذت منعطفًا حادًا بعد استشهاد نجله رعد عام 2022، ثم نجله الثاني عبد الرحمن بعد أشهر، في وقت اعتُقل فيه نجله همام وهُدمت منازل العائلة، ليتحوّل أبو الرعد إلى أحد أبرز الوجوه الفلسطينية المطاردة من الاحتلال.

نجل الشهيد.. أين كنتم؟

في أعقاب استشهاد والده، خرج أحد أبنائه – همام – برسالة حملت سؤالًا قاسيًا للسلطة الفلسطينية: أين كنتم؟

يقول نجل خازم إن السلطة وفّرت لوالده، خلال وجوده في رام الله لتلقي العلاج، منزلًا للإيجار ومركبة وترتيبات للحماية، قبل أن تسحب المنزل والمركبة بعد نحو خمسة أشهر، ثم تحيله إلى التقاعد الإجباري.

وبحسب روايته، عاد والده بعد ذلك إلى جنين، وعاش قرابة عامين ونصف في منزل صغير وصفه بأنه غير صالح للعيش، في ظل أوضاع صحية ونفسية ومعيشية صعبة، بعدما كان قد فقد نجله، وتعرضت عائلته للاعتقال والملاحقة وهدم المنازل.

ويحمل هذا السرد العائلي اتهامًا بالغ القسوة: أن الرجل الذي خدم سنوات في مؤسسة السلطة وجد نفسه، في أصعب مراحل حياته، بلا حماية أو سند كافٍ، قبل أن ينتهي به المطاف شهيدًا برصاص الاحتلال.

ويقول شقيقه أمين خازم في تصريحات إعلامية إن فتحي لم يكن يأمن غدر السلطة به، فكيف بالاحتلال؟ متهمًا السلطة باستغلاله في محافلها الانتخابية، ثم إحالته إلى التقاعد وإخراجه من المشهد، كما قال إن العائلة أُبلغت بعد استشهاده بأنه “توفي”، وليس بأنه “استشهد”.

من التهميش إلى التبني

المفارقة الأكثر إثارة تظهر في الخطاب الذي أعقب استشهاده؛ فبعد سنوات من الجدل حول علاقته بالسلطة، سارعت حركة التحرير الوطني الفلسطيتي “فتح” إلى تبنّي خازم، ووصفته في بيان لجنتها المركزية بأنه القائد والمناضل الفتحاوي، ورجل من رجال الحركة، مؤكدة أنه كان من أبنائها الأوفياء وأنه ظل وفيًّا للقضية الفلسطينية.

ويعقب الناشط محمد مهنا على موقف حركة “فتح” من الشهيد أبو رعد بالقول: “كيف يتحول الرجل من شخصية يُدفع بها إلى هامش المشهد، إلى قامة فتحاوية ووطنية بمجرد أن يصبح شهيدًا؟”.

لا يتعلق الأمر فقط باستخدام اسمه في بيانات النعي، بل بما يعتبره منتقدون محاولة لاستعادة رجل لم تحظَ علاقته بالمؤسسة الرسمية بالاهتمام نفسه عندما كان حيًّا ويواجه ظروفًا قاسية.

أما الناشط والمدوّن خالد صافي، فقد ذهب إلى زاوية أكثر مباشرة، إذ أعاد الحديث عن إحالة أبو الرعد إلى التقاعد، وانتقد طريقة تعامل السلطة معه، معتبرًا أن التعامل الرسمي معه قبل استشهاده لا ينسجم مع خطاب التمجيد الذي ظهر بعد رحيله.

سؤال الازدواجية

وكتب الناشط فادي جرادات قائلًا: “أبو الرعد كان حاضرًا في المشهد عندما كان المطلوب منه أن يدفع الثمن، لكنه صار حاضرًا بقوة في الخطاب الرسمي عندما أصبح شهيدًا”.

وأردف: “قيمة خازم لا تختزل في موقعه السابق داخل الأجهزة الأمنية، وإنما في السنوات التي قضاها مطاردًا وفي حجم الفقد الذي تحمّله، وصولًا إلى مقتله داخل منزله”.

وأثنى الناشط سليم المصري على أبو الرعد بالقول: “الرجل ابن الرجل يرحل رحيل الأبطال وإن يكشف بشهادته المعالم الفاضحة، فالجانب الرمزي في شخصية الرجل، باعتباره أبًا فقد اثنين من أبنائه، ثم رفض أن تنتهي حياته دون أن يواجه الجنود الذين اقتحموا منزله”.

وختم متسائلًا: “هل من أحد من فتح والسلطة يستطيع أن يجيب الجميع عن أسباب التقاعد الذي تقول عائلة خازم إنه جاء بعد فترة من توفير الحماية له، وما إذا كان القرار مرتبطًا بوضعه الأمني أو الوظيفي، وما حقيقة الترتيبات التي قبل أن وفرت له في رام الله قبل سحبها، وعن الفارق بين طريقة التعامل معه في حياته وطريقة الاحتفاء به بعد استشهاده؟”.

فبين صورة الرجل الذي خدم في أجهزة السلطة لسنوات، وصورة المطارد الذي فقد أبناءه وبيته، ثم صورة الشهيد الذي وصفته “فتح” بعد مقتله بأنه رجل من رجال الحركة، تتسع مساحة الأسئلة أكثر مما تتسع مساحة الإجابات.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY