Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

غاب من كان يصنع الحياة.. الحرب تنهي رحلة الدكتور عمر فروانة

في غرف العمليات، اعتاد الدكتور الفلسطيني عمر فروانة أن يسمع أول صرخة لطفل يبصر النور، فيطمئن قلب أم انتظرت طويلًا لحظة احتضانه. لم يكن طبيب النساء والتوليد مجرد ممارس لمهنته، بل كان شاهدًا على بدايات الحياة في قطاع غزة الذي أنهكته الحروب، وصانعًا للأمل في بيوت طال انتظارها لخبر الحمل أو نجاة أم وجنينها.

لكن الحرب التي لم تميّز بين طفل وشيخ، ولا بين طبيب ومريض، أنهت رحلته، لتغيب يدٌ أنقذت آلاف الأرواح، فيما بقي أثرها حاضرًا في ذاكرة من عرفوه وعاشوا لحظات الفرح التي كان يصنعها.

لم يكن اسم الدكتور عمر فروانة مرتبطًا بالمستشفيات وغرف الولادة فحسب، بل ارتبط في ذاكرة عائلات فلسطينية كثيرة بلحظات فارقة؛ كولادة طفل بعد سنوات من الانتظار، أو نجاح عملية معقدة، أو كلمة طمأنينة أعاد بها الأمل إلى أم كانت تخشى على جنينها.

على مدار سنوات عمله، كرّس فروانة حياته لخدمة النساء والأطفال، متنقلًا بين المستشفيات والعيادات، وحاملًا رسالة إنسانية تجاوزت حدود المهنة. ومع اشتداد الحرب على قطاع غزة، واصل أداء واجبه رغم المخاطر الكبيرة، في وقت تعذر فيه على كثير من الكوادر الطبية الوصول إلى أماكن عملهم أو اضطر بعضهم إلى المغادرة بفعل القصف والظروف الأمنية.

وفي ظل الانهيار المتواصل للقطاع الصحي، ازدادت الحاجة إلى أطباء النساء والتوليد، مع ارتفاع أعداد الولادات في ظروف بالغة القسوة، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، واضطرار نساء إلى وضع مواليدهن داخل مستشفيات مهددة بالقصف أو في مراكز إيواء تفتقر إلى أبسط مقومات الرعاية الصحية.

لكن الحرب لم تمنحه استثناءً، إذ طالته مع عائلته، ليضاف اسمه إلى قائمة طويلة من الكوادر الطبية التي فقدها قطاع غزة منذ اندلاع الحرب. ولم تكن خسارته فقدان طبيب فحسب، بل غياب خبرة طبية وإنسانية امتدت لعقود، وترك فراغًا في مجالات تخصصية كان من أبرز العاملين فيها داخل القطاع.

مسيرة علمية وطبية

وُلد الدكتور عمر فروانة في شباط/فبراير 1956 في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، وكان أبًا لأربعة أبناء وأربع بنات. تلقى تعليمه الأساسي في مدرستي الإمام الشافعي والزيتون، قبل أن ينهي الثانوية العامة في مدرسة فلسطين، ثم التحق بكلية الطب في جامعة القاهرة.

واصل فروانة مسيرته الأكاديمية، وحصل على درجة الدكتوراه في علم وظائف الأعضاء (الفيزيولوجيا) من جامعة ليدز البريطانية، ليصبح، وفق ما يرويه أفراد من عائلته، أول طبيب من قطاع غزة يحصل على هذه الدرجة من الجامعة.

ولم تتوقف مسيرته العلمية عند هذا الحد، إذ تلقى تدريبًا تخصصيًا في علاج العقم والذكورة وتقنيات أطفال الأنابيب في جامعة غرب أستراليا، قبل أن يعود إلى قطاع غزة ويسهم في تطوير خدمات علاج العقم والمساعدة على الإنجاب، ومساعدة عائلات كثيرة على تحقيق حلمها بالإنجاب.

طبيب وأكاديمي وصاحب دور مجتمعي

يقول محمد فروانة، أحد أقارب الدكتور عمر، لـ”قدس برس”، إن الراحل كان من أبرز الشخصيات الطبية في قطاع غزة، وشغل منصب عميد كلية الطب في الجامعة الإسلامية، وأسهم في تطوير القطاع الصحي، لا سيما في مجالات علاج العقم وأطفال الأنابيب.

ويضيف أن فروانة كان من أبرز المؤسسين لعدد من المؤسسات الصحية، من بينها مستشفى الخدمة العامة وجمعية أصدقاء المريض، كما أدى دورًا محوريًا في تأهيل أجيال من الأطباء والكوادر الطبية.

وبحسب رواية قريبه، أسهم الدكتور عمر أيضًا في تطوير محلول طبي يُستخدم للحفاظ على وظائف الكلى أثناء عمليات زراعة الأعضاء، بما يحد من الحاجة إلى الغسيل الكلوي ويحسن فرص نجاح عمليات الزراعة. وأشار إلى أن هذا الإنجاز اعتُمد في مستشفى سانت جيمس الجامعي بمدينة ليدز البريطانية.

ولم يقتصر اهتمامه على الجانب الأكاديمي والطبي، إذ افتتح عيادة متخصصة في علاج العقم والضعف الجنسي بمدينة غزة، وتمكن من علاج حالات معقدة داخل القطاع. ويقول قريبه إنه كان يعفي المرضى الفقراء وأصحاب الظروف المعيشية الصعبة من أجور العلاج.

كما يروي محمد فروانة أن الدكتور عمر، بعد إبعاده إلى مرج الزهور وعودته إلى قطاع غزة، عمل على إعادة تفعيل بنك الدم الإسلامي، وشارك في تأسيس مستشفى الخدمة العامة، وكان عضوًا في مجلس إدارة جمعية أصدقاء المريض الخيرية، وأول طبيب يعمل فيها. وأضاف أن فروانة حوّل مخيم مرج الزهور، خلال فترة إبعاده، إلى عيادة تقدم العلاج لأهالي القرى المجاورة.

نهاية الرحلة

في الخامس عشر من تشرين الأول/أكتوبر 2023، استشهد الدكتور عمر فروانة وزوجته وأبناؤه وأحفاده، في قصف أنهى حياة طبيب كرّس عقودًا من حياته لمساعدة المرضى، ومساندة العائلات التي أنهكها تأخر الإنجاب، وصناعة الأمل في واحدة من أكثر البيئات الصحية قسوة.

رحل فروانة، لكن صرخات الحياة التي اعتاد سماعها في غرف الولادة بقيت شاهدة على مسيرة طبيب جعل من مهنته رسالة، ومن إنقاذ الأرواح طريقًا، ومن حلم الأمومة أملًا سعى إلى تحقيقه لسنوات.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY