“نتبادل الأدوية المتوافرة فيما بيننا. فالمريض الذي يتوفر لديه دواء ينشر على المجموعات الخاصة ومن يحتاجه يراسله. هكذا نتعامل بعد أن فقدنا الأمل في أن توفر وزارة الصحة الدواء”، بهذه الكلمات شرحت السيدة سارة رحال، وهي موظفة حكومية، الحال الذي وصل إليه آلاف المرضى في الضفة الغربية، بعد عجز الحكومة عن توفير الأدوية، خاصة لمرضى الأمراض المزمنة.
تشير رحال في حديثها لـ”قدس برس” إلى أن العديد من الفلسطينيين المؤمَّنين صحيًا في المجتمع المحيط بها يضطرون إلى شراء الأدوية على حسابهم، متحملين عبئًا ماليًا إضافيًا إلى جانب رسوم التأمين الصحي شهريًا التي تُخصم منهم دون أن يتلقوا خدمة صحية مقابل ذلك.
الأخطر من ذلك، بحسب سارة، أن عددًا من الأدوية اللازمة لأمراض مزمنة لم تعد متوفرة في الصيدليات، وأحيانًا يكون لها بديل إسرائيلي أو مستورد بسعر أعلى من سعر الدواء المحلي.
ويحذر رئيس جمعية الجهاز الهضمي الفلسطينية الدكتور قصي عبده في حديثه لـ”قدس برس” من خطورة استمرار انقطاع العلاجات البيولوجية، مؤكداً أن مرضى داء “كرونز” و”التهاب القولون التقرحي” على سبيل المثال لا الحصر باتوا يواجهون صعوبات متزايدة في الحصول على جرعاتهم العلاجية المنتظمة.
ويقول إن هذه العلاجات لا تمثل مجرد أدوية يمكن تأجيلها أو الاستغناء عنها، بل تشكل “شريان حياة” لآلاف المرضى، إذ تساعدهم على السيطرة على المرض وتجنب الانتكاسات والمضاعفات الخطيرة. ويضيف أن المريض يعيش حالة دائمة من القلق مع اقتراب موعد جرعته التالية، لأنه يعلم أن انقطاع العلاج قد يعيده إلى دائرة الألم والمعاناة التي أمضى سنوات في محاولة الخروج منها.
ويرى عبده أن الأزمة تجاوزت حدود النقص المؤقت، وأصبحت تهدد حق المرضى في العلاج والحياة الكريمة، مشيراً إلى أن المناشدات المتكررة لمعالجة أزمة العلاجات البيولوجية لم تحقق نتائج ملموسة حتى الآن.
ديون بالملايين
وفي خلفية هذه المعاناة الإنسانية، تتكشف أزمة مالية متفاقمة تضرب القطاع الصحي الفلسطيني، ليست وليدة اللحظة وإنما نتيجة تراكم ديون إجمالية مستحقة على وزارة الصحة بلغت مليارات الشواقل منذ سنوات طويلة، ما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت هذه الأزمة آنية مرتبطة باحتجاز أموال المقاصة فحسب، أو أنها أزمة ممنهجة تعصف بالقطاع الصحي مع كل أزمة مالية.
يقول المدير التنفيذي لاتحاد موردي الأدوية في فلسطين، مهند حبش، إن الأزمة الحالية هي نتيجة سنوات طويلة من تراكم الديون وعدم انتظام سداد مستحقات شركات الأدوية.
ويوضح لـ”قدس برس” أن المديونية المستحقة على وزارة الصحة لصالح موردي الأدوية والمستلزمات الطبية تجاوزت 1.3 مليار شيقل، في حين لم تتجاوز الدفعات التي تلقتها الشركات منذ بداية العام الجاري 16 مليون شيقل فقط، رغم وجود تفاهمات سابقة تقضي بسداد نحو 30 مليون شيقل شهرياً.
ويشير حبش إلى أن ضعف التدفقات المالية أجبر الشركات على تقليص التوريد إلى الحد الأدنى، مع إعطاء الأولوية للأدوية المنقذة للحياة، مثل أدوية الأورام وغسيل الكلى وأمراض الدم. ويؤكد أن الشركات لم توقف التوريد بشكل كامل، لكنها لم تعد قادرة على توفير الكميات المطلوبة بسبب التزاماتها المالية المتراكمة للموردين والشركات المصنعة في الخارج.
وبحسب حبش، وصل نحو 160 صنفاً دوائياً إلى مخزون صفري، فيما تعاني أكثر من 600 صنف من انخفاض حاد في المخزون، إضافة إلى أكثر من 100 صنف يقترب من النفاد الكامل. كما أن الاجتماع الذي جمع وزير الصحة بموردي الأدوية واتحاد الصناعات الدوائية الأسبوع الماضي لم يسفر عن حلول عملية للأزمة.
إصلاح النظام الصحي
من جهتها، تقول منسقة عمل الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، لميس فراج، إنه على الرغم من ارتباط الأزمة المالية لوزارة الصحة بالأزمة المالية للسلطة الفلسطينية بسبب احتجاز أموال المقاصة، إلا أن هذه الأزمة عمرها سنوات طويلة أي قبل الاحتجاز الكامل لأموال المقاصة.
وتؤكد فراج، التي تنقل موقف الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، أن أحد أسباب الأزمة الصحية الحالية هو عدم حسم ملف إصلاح النظام الصحي، من حيث زيادة المخصصات للنفقات التطويرية وتطوير الخدمات الصحية العامة لوقف نزيف التحويلات الطبية.
وأوضحت فراج أن النفقات التطويرية لوزارة الصحة في عام 2025 بلغت نحو 58 مليون شيقل فقط، “وبالتالي، فإن خفض التحويلات الطبية يعتمد على تطوير الخدمات الصحية في المستشفيات الحكومية، مع مراعاة الأولويات والاحتياجات لكل مركز مسؤولية” وفق قولها.
وأكدت فراج أن جوهر المشكلة يكمن في نظام التأمين الصحي الحالي الذي يضم عددًا كبيرًا من المشتركين في ظل قطاع خدماتي صحي غير قادر على تلبية احتياجات المشتركين، ما يستدعي العمل على نظام تأمين صحي جديد يكون شاملاً وإلزاميًا وتكافليًا، “وهذا من شأنه أن ينقذ القطاع الصحي من أي انهيار ممكن”.
وأشارت فراج إلى أن الفريق الأهلي تحفظ على استمرار استحواذ قطاع الأمن على الحصة الأكبر من الموازنة بنسبة 22%، مقابل نحو 15% لوزارة الصحة، خصوصًا أنه خلال عام 2025 لم تُخفّض موازنة قطاع الأمن، بل زادت النفقات التشغيلية، واستمرت التعيينات رغم سياسات “صفر صافي توظيف”، وهذا لم يسهم في خفض فاتورة الرواتب.
وكانت وزارة الصحةفي السلطة الفلسطينية، قالت إن الأزمة الدوائية تتفاقم بوتيرة متسارعة، وأن أكثر من ثلث الأدوية الأساسية التي توفرها الوزارة وصلت إلى رصيد صفري أو مستويات حرجة، محذرة من أن حياة أكثر من أربعة آلاف مريض سرطان وآلاف مرضى غسيل الكلى أصبحت مهددة بسبب النقص الحاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، مشيرة إلى أن الأزمة المالية الحالية أدت إلى تراجع قدرة الحكومة على تسديد مستحقات الموردين، بعد احتجاز إسرائيل لعائدات الضرائب الفلسطينية (أموال المقاصة) التي تشكل المصدر الرئيسي للإيرادات الحكومية.
وتكشف بيانات الوزارة أن نحو 180 صنفاً من الأدوية الأساسية نفدت بالكامل، فيما وصل عدد أصناف أدوية الأورام التي سجلت رصيداً صفرياً إلى 50 صنفاً من أصل 97 صنفاً توفرها الوزارة.
ولا تقتصر الأزمة على الأدوية فقط، بل تمتد إلى المستهلكات الطبية والمخبرية. فقد سُجل نقص حاد في فلاتر غسيل الكلى، والخيوط الجراحية الدقيقة المستخدمة في العمليات الحساسة، ومواد القسطرة القلبية، إضافة إلى 79 صنفاً مخبرياً وصلت إلى رصيد صفري.
كما أدت الأزمة إلى تأجيل أكثر من 11 ألف عملية جراحية مبرمجة بسبب نقص المستلزمات الطبية وتراجع القدرة التشغيلية للمستشفيات، فيما حُرم عشرات آلاف المرضى المزمنين من الحصول على خدمات الرعاية الصحية الأولية والمتابعة التخصصية.
وبينما تتراكم الديون وتتراجع الإمدادات الطبية، يبقى المرضى الحلقة الأضعف في هذه الأزمة. فبالنسبة لسوسن وآلاف المرضى مثلها، لا يتعلق الأمر بأرقام مالية أو موازنات حكومية، بل بجرعة دواء قد تعني الفرق بين الاستقرار الصحي والانتكاسة، وبين الحياة والموت.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY