Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

سابقة محتملة في تشيلي: القضاء يبحث ملاحقة جندي إسرائيلي بتهم جرائم حرب في غزة

أعاد قرار قضائي حديث في تشيلي ملف شكوى جنائية ضد جندي إسرائيلي–أوكراني متهم بالمشاركة في جرائم حرب في قطاع غزة إلى الواجهة، بعد أشهر من تقديمها أمام القضاء التشيلي، في تطور قد يفتح نقاشاً قانونياً غير مسبوق حول تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية في البلاد.

وقررت محكمة الاستئناف في سانتياغو، أمس الثلاثاء، إلغاء قرار سابق لمحكمة الضمان الثامنة كان قد رفض النظر في الشكوى المقدمة ضد الجندي روم كوف تون، واعتبرت أن مسألة اختصاص القضاء التشيلي لا يجوز حسمها بقرار أولي من دون سماع الأطراف المعنية.

وبموجب قرار محكمة الاستئناف، ستُعقد جلسة علنية في 12 حزيران/يونيو الجاري، يشارك فيها ممثلو الجهة الشاكية والنيابة العامة والدفاع، لبحث ما إذا كانت المحاكم التشيلية تملك صلاحية التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية مزعومة ارتكبت خارج الأراضي التشيلية، استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.

وكانت مؤسسة “هند رجب” الحقوقية قد قدمت في 16 شباط/فبراير الماضي شكوى جنائية أمام محكمة الضمان الثامنة في سانتياغو، بواسطة المحامي التشيلي بابلو أندريس أرايا زاكارياس، ضد روم كوف تون، مطالبة بالتحقيق معه وملاحقته بموجب القانون التشيلي رقم 20.357، الذي يجرّم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، بما يتوافق مع نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

وتقول الشكوى إن كوف تون، وهو جندي إسرائيلي–أوكراني، خدم قناصاً في الكتيبة 424 “شاكيد” التابعة للواء “غفعاتي” في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وعمل ضمن عمليات عسكرية في قطاع غزة تحت قيادة اللواء المدرع 401.

وبحسب الدعوى، فإن المتهم شارك بصورة مزعومة في حصار وتدمير مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة بين آذار/مارس ونيسان/أبريل 2024، وهي عملية أسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية الطبية، ووردت عقبها تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم مرضى وعاملون في الطواقم الطبية.

وتتهم الشكوى كوف تون بالمشاركة في تطويق المجمع الطبي وفرض السيطرة العسكرية عليه، والعمل ضمن مواقع قنص محيطة بالمستشفى، والمساهمة في إطلاق نار قاتل في محيطه، إضافة إلى المشاركة في ظروف منعت الإجلاء الآمن للمدنيين، وأسهمت في وفيات ناجمة عن الحرمان من الغذاء والماء والرعاية الطبية والوصول الإنساني.

وتؤكد الجهة الشاكية أن وجود المتهم في تشيلي، بحسب ما ورد في الدعوى، يفعّل مبدأ الولاية القضائية العالمية، الذي يتيح للدول ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة، حتى إذا ارتكبت خارج أراضيها، متى توافرت شروط قانونية محددة.

غير أن القرار الجديد لمحكمة الاستئناف، وفق قراءة حقوقيين وقانونيين متابعين للملف، لا يعني قبول الاتهامات أو ثبوتها، ولا يمثل حكماً في موضوع القضية، بل يقتصر على إعادة فتح النقاش الإجرائي حول ما إذا كان القضاء التشيلي مختصاً أصلاً بالنظر في الملف.

وتكمن أهمية الجلسة المقبلة في أنها ستحدد ما إذا كانت تشيلي ستتجه إلى فتح تحقيق جنائي رسمي في مزاعم ارتكاب جرائم دولية في غزة، أو ستقرر أن الملف خارج نطاق اختصاص محاكمها.

وفي تصريحات سابقة صدرت عند تقديم الشكوى في شباط/فبراير الماضي، قال المدير العام لمؤسسة “هند رجب”، دياب أبو جهجة، إن “استهداف وتدمير مستشفى عامل خلال حصار عسكري يضربان صميم القانون الدولي الإنساني”، مضيفاً أنه “عندما تشير الأدلة إلى أن قناصاً شارك في مثل هذه العملية، لا يمكن للمحاكم المحلية أن تغض الطرف”.

وأضاف أن “الولاية القضائية العالمية وُجدت لضمان عدم ترك أخطر الجرائم دون فحص لمجرد أنها ارتكبت في الخارج”.

كما قالت رئيسة قسم التقاضي في المؤسسة، ناتاشا براك، في التصريحات ذاتها، إن “القانون الدولي الإنساني يمنح حماية خاصة للمستشفيات والطواقم الطبية والجرحى”، معتبرة أن “تطويق وتدمير مجمع طبي عامل، إلى جانب الحرمان من الغذاء والماء والرعاية الطبية، لا يعد أضراراً جانبية، بل يشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأفعال إبادة جماعية”، وفق توصيف المؤسسة.

من جهته، قال المحامي التشيلي بابلو أندريس أرايا زاكارياس، في وقت سابق، إن تشيلي صادقت على نظام روما الأساسي وأدرجته في قانونها المحلي عبر القانون رقم 20.357، معتبراً أن ذلك يخلق التزاماً قانونياً بضمان ألا يجد المتهمون بالإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب ملاذاً آمناً في البلاد.

في المقابل، رفض السفير الإسرائيلي في تشيلي، بيليغ ليفي، الاتهامات المرتبطة بوجود كوف تون في تشيلي، وقال في منشور عبر منصة “إكس” إن الحديث عن الوجود المفترض لروم كوف تون في البلاد “كاذب ويشكل جزءاً من حملة تضليل”.

وأضاف السفير أن الاتهام “صادر عن قطاعات فلسطينية متطرفة في تشيلي”، وأنه “جرى تضخيمه عبر حسابات ووسائل إعلام تسعى إلى استيراد الصراع من أجل مهاجمة إسرائيل وإرباك الرأي العام”، على حد قوله.

وأكد ليفي في منشوره أن “روم كوف تون ليس في تشيلي، ولا توجد أدلة موثوقة تشير إلى عكس ذلك”، متهماً جهات لم يسمها بمحاولة “استخدام النظام القضائي التشيلي لأغراض سياسية، من دون أساس متين”.

كما اعتبر أن هناك من يروج لاتهامات تهدف إلى “الضغط وإقحام سفارة “إسرائيل” والسلطات التشيلية بشكل غير ملائم في رواية ضارة”، مضيفاً أن السفارة ترفض “الكراهية ومعاداة السامية التي يروج لها البعض تحت غطاء النشاط الحقوقي”، وأنها مستعدة للتعاون مع السلطات ووسائل الإعلام “على أساس الوقائع القابلة للتحقق والشفافية”.

ويأتي التطور القضائي الجديد في ظل تصاعد استخدام مبدأ الولاية القضائية العالمية أمام محاكم وطنية في عدد من الدول، لملاحقة أفراد متهمين بارتكاب جرائم دولية جسيمة، خصوصاً في سياق الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.

وتقول مؤسسة “هند رجب” إن تحركاتها القانونية في تشيلي ودول أخرى تندرج ضمن استراتيجية عالمية لملاحقة من تصفهم بمتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد الفلسطينيين، أينما سافروا، مؤكدة أن “الولاية القضائية العالمية لم تعد نظرية، بل يجري تفعيلها في قاعات المحاكم”.

أما في تشيلي، فإن جلسة 12 حزيران/يونيو ستكون محطة فاصلة في تحديد مصير الملف. فإذا قبل القضاء التشيلي مناقشة الاختصاص على أساس الولاية العالمية، فقد تمثل القضية سابقة قانونية مهمة في البلاد. أما إذا رفض الاختصاص، فسيبقى الملف ضمن حدود الجدل السياسي والحقوقي، من دون انتقاله إلى تحقيق جنائي فعلي.

وبذلك لم تعد القضية مجرد شكوى قُدمت في شباط/فبراير الماضي، بل أصبحت اختباراً قضائياً مباشراً لمدى استعداد تشيلي لتفعيل التزاماتها الدولية في ملاحقة الجرائم الأشد خطورة، عندما يكون المشتبه بهم موجودين أو يُعتقد أنهم موجودون على أراضيها.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY