في تاريخ حركات التحرر الوطني، غالباً ما تشكل الضربات الأمنية والاغتيالات والانقسامات الداخلية عوامل حاسمة في إضعاف التنظيمات أو تفكيكها. غير أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” تقدم نموذجاً مختلفاً؛ إذ نجحت على مدار عقود في بناء منظومة مؤسسية عابرة للجغرافيا، مكّنتها من الحفاظ على تماسكها التنظيمي واستمرارية عملها السياسي والعسكري، رغم الحصار والحروب والملاحقات الأمنية المتواصلة.
ويجمع محللون سياسيون على أن سر صمود الحركة لا يكمن فقط في قوتها الميدانية، بل في بنية تنظيمية قائمة على الشورى، وتوزيع الصلاحيات، واستدامة العملية الانتخابية، بما أتاح لها تجاوز محطات مفصلية شملت الاغتيالات واستهداف القيادات وتشتت مراكز العمل بين الداخل والخارج.
الشورى أساس البناء المؤسسي
يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين أن القضية الفلسطينية، بوصفها قضية وجود وهوية، دفعت حركة حماس إلى تطوير نموذج تنظيمي خاص بها، يقوم على مؤسسات فاعلة وآليات واضحة لصنع القرار.
وقال شاهين لـ”قدس برس” إن الطبيعة العابرة للجغرافيا التي تتسم بها الحركة لم تتحول إلى نقطة ضعف كما كان متوقعاً، بل أصبحت أحد أهم عناصر قوتها، بعدما نجحت في تحويل التوزع الجغرافي لقياداتها إلى عامل تكامل داخل منظومة مؤسسية موحدة.
وأوضح أن هذا النموذج يستند إلى مبدأ الشورى باعتباره مرجعية تنظيمية حاكمة، وليس مجرد شعار سياسي، مشيراً إلى أن العلاقة بين الداخل والخارج تقوم على التكامل لا التنافس، ضمن هيكل تنظيمي تتصدره مؤسسة “مجلس الشورى العام” بوصفها الهيئة التشريعية العليا التي تناقش القرارات الاستراتيجية وتنتخب المكتب السياسي للحركة.
تفويض الميدان وإدارة الاختلاف
ويشير شاهين إلى أن الحركة تعتمد في الوقت ذاته على تفويض مدروس للمستويات الميدانية، بما يسمح باتخاذ قرارات تكتيكية سريعة تتناسب مع ظروف الميدان، ضمن الأطر العامة التي تضعها القيادة السياسية.
وأضاف أن أحد أبرز مظاهر التماسك التنظيمي يتمثل في استمرار العملية الانتخابية وآليات الشورى حتى في أكثر الظروف تعقيداً، بما في ذلك داخل سجون الاحتلال، الأمر الذي يضمن مشاركة أوسع في صناعة القرار ويعزز مفهوم الإرادة الجماعية.
وأكد أن الحركة استطاعت تحويل الاختلافات الداخلية إلى عنصر إثراء وتجديد، عبر مؤسسات الشورى والحوار الداخلي، بما جنبها الانقسامات التي شهدتها حركات سياسية أخرى.
منظومة اتصالات وصمود متعدد الساحات
وفي جانب آخر، أوضح شاهين أن الحصار والرقابة الأمنية دفعا الحركة إلى تطوير منظومة اتصالات بديلة ومتعددة المستويات، تجمع بين الوسائل التقنية الحديثة والأساليب التقليدية الأقل عرضة للاختراق والتتبع.
وأضاف أن التنسيق بين ساحات العمل المختلفة يمثل أحد أهم عناصر قوة الحركة، حيث تُدار الملفات السياسية والمفاوضات عبر قيادات الخارج، مع بقاء قنوات الاتصال مفتوحة بصورة دائمة مع القيادة الميدانية داخل قطاع غزة.
ويرى أن هذا التوزيع الوظيفي بين الداخل والخارج منح الحركة قدرة أكبر على الاستمرار، بحيث تتكامل الأدوار السياسية والإعلامية والدبلوماسية مع الأدوار الميدانية والعسكرية، ضمن رؤية موحدة.
قيادة عابرة للحدود
ويؤكد شاهين أن الطبيعة العابرة للحدود التي تتميز بها حماس جعلت من الصعب على الاحتلال إنهاء دورها عبر استهداف أفراد أو قيادات بعينها، إذ تقوم الحركة على مؤسسات وآليات تضمن استمرارية العمل وانتقال المسؤوليات بصورة منظمة.
وأضاف أن مكاتب الحركة في الخارج لا تؤدي دوراً تنظيمياً فحسب، بل تمثل منصات سياسية وإعلامية تتيح مخاطبة العالم ونقل الرواية الفلسطينية إلى مختلف المحافل الدولية.
ولفت إلى أن آلية صنع القرار داخل الحركة، والتي تشمل قطاعات غزة والضفة الغربية والأسرى والخارج، توفر توازناً داخلياً يمنع احتكار القرار، وتضمن مشاركة مختلف الساحات في رسم السياسات العامة.
كما اعتبر أن وثيقة الحركة السياسية الصادرة عام 2017 شكلت محطة مهمة في تطوير خطابها السياسي وترسيخ هويتها الفلسطينية المستقلة، بما عزز من قدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية.
انتخابات مستمرة رغم التحديات
من جانبه، قال الكاتب والمحلل السياسي أمجد بشكار إنّ حماس تعد من أبرز الحركات الفلسطينية التي حافظت على انتظام العملية الانتخابية داخل مؤسساتها منذ تأسيسها عام 1987، رغم التحديات الأمنية والظروف الاستثنائية التي تواجهها.
وأوضح لـ”قدس برس” أن الملاحقات والاعتقالات الإسرائيلية، خصوصاً في الضفة الغربية، فرضت على الحركة تطوير آليات تنظيمية تضمن استمرار التمثيل والمشاركة في العملية الانتخابية وصنع القرار.
وأشار إلى أن الحركة اعتمدت هيكلية تنظيمية مرنة أتاحت التواصل المستمر بين مختلف الساحات، كما منحت الأسرى تمثيلاً تنظيمياً ضمن مؤسساتها، بما يضمن مشاركتهم في الحياة التنظيمية للحركة.
حصانة تنظيمية ضد الانشقاقات
ويرى بشكار أن إحدى أبرز نقاط قوة حماس تتمثل في قدرتها على تجنب الانشقاقات التنظيمية، رغم انتشارها في بيئات سياسية وجغرافية متعددة، وهو ما يعكس متانة بنيتها الداخلية وآلياتها المؤسسية.
وأكد أن القرار داخل الحركة لا يخضع لهيمنة أي ساحة أو جهة بعينها، بل يُصاغ عبر مؤسسات جماعية تمثل مختلف مكونات الحركة في الداخل والخارج.
وأضاف أن تولي قيادات من الداخل الفلسطيني مواقع متقدمة في قيادة الحركة يعكس طبيعتها المؤسسية، التي تستند إلى الشرعية التنظيمية والانتخابية أكثر من ارتباطها بالموقع الجغرافي للقيادة.
وختم بالقول إن منظومة الشورى والتمثيل المتوازن داخل مؤسسات الحركة أسهمت في الحفاظ على وحدتها وتماسكها، رغم ما تعرضت له من حروب وحصار واغتيالات وتحديات استثنائية على مدار العقود الماضية، ما جعلها واحدة من أكثر الحركات الفلسطينية قدرة على الاستمرار والتكيف مع المتغيرات.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY