أكد محللان سياسيان أن الإبقاء على نسبة الحسم عند 1% ، لا يمثل مجرد تفصيل فني في قانون الانتخابات لفلسطيني، بل قد يكون له تأثير مباشر في شكل المجلس التشريعي المقبل وموازين القوى داخله.
وبحسب محللين فإن انخفاض العتبة الانتخابية يفتح المجال أمام دخول عدد أكبر من القوائم الصغيرة، بما قد يعزز التعددية من جهة، لكنه قد يؤدي من جهة أخرى إلى تشظي المجلس وإضعاف فرص تشكل كتل سياسية وازنة ومتماسكة.
كما أن النسبة المنخفضة بحسب ما قاله المحللون لـ قدس برس، قد تتيح للقوائم العائلية والمناطقية والفصائلية الصغيرة مساحة أكبر للحضور، يذهب آخر إلى أنها قد تخدم القوى الأكبر عبر تفتيت الأصوات والحيلولة دون تشكل قوة سياسية منافسة قادرة على فرض وزنها داخل المجلس، لتبقى بذلك معركة (الواحد بالمائة) أبعد من عتبة انتخابية، إلى سؤال حول شكل البرلمان وموازين القوى السياسية فيه.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي سليمان بشارات أن الإبقاء على نسبة الحسم عند واحد بالمائة في الانتخابات التشريعية المقبلة لا يمكن فصله، من وجهة نظره، عن حسابات حركة فتح ومخاوفها من نتائج الانتخابات، ولا سيما في ضوء تجربة انتخابات عام 2006 والمؤشرات التي أعقبتها، والتي أظهرت تراجعًا في حضور الحركة الجماهيري والشعبي وقدرتها على الحفاظ على موقعها داخل النظام السياسي الفلسطيني.
ويقول بشارات إن هذه المعطيات دفعت، بحسب قراءته، باتجاه البحث عن آليات تحول دون إمكانية حدوث تجاوز لحركة فتح أو إخراجها من المعادلة السياسية الفلسطينية، معتبرًا أن خفض نسبة الحسم إلى واحد بالمائة يمكن أن يكون أحد هذه الآليات، لأنه يؤدي إلى توسيع دائرة القوائم القادرة على الوصول إلى المجلس التشريعي، وبالتالي الحد من إمكانية تشكل أوزان سياسية كبيرة قادرة على منافسة الحركة أو إقصائها من مركز المعادلة السياسية.
ويشرح أن نسبة الحسم المنخفضة تعني إتاحة الفرصة أمام عدد كبير من القوائم لدخول المجلس التشريعي، بما قد يؤدي إلى تعدد غير مسبوق في تركيبة المجلس. ويشير إلى أن القوائم الانتخابية قد تكون مدعومة من عائلات وعشائر، أو ممثلة لقطاعات مهنية وشبابية ونسوية، إلى جانب الأحزاب والتيارات السياسية المختلفة، الأمر الذي قد يفضي إلى مجلس شديد التعددية من حيث عدد القوائم والكتل والاتجاهات.
ويرى أن التجربة السابقة في التحضير للانتخابات التشريعية عام 2021 تعطي مؤشرات على إمكانية ارتفاع عدد القوائم في الانتخابات المقبلة، متوقعًا أن يتجاوز العدد أربعين قائمة، في ظل اتساع مساحة المشاركة وتعدد الخلفيات التي يمكن أن تنطلق منها القوائم الانتخابية.
ويحذر بشارات من أن هذه التركيبة قد تجعل من الصعب على أي تيار سياسي منفرد تحقيق أغلبية أو تشكيل كتلة قادرة على فرض توجه سياسي واضح داخل المجلس التشريعي، معتبرًا أن «تشظي» المجلس إلى عدد كبير من القوائم الصغيرة سيجعل عملية تشكيل التحالفات والائتلافات أكثر تعقيدًا، ويحد من قدرة أي قوة سياسية على تحقيق حالة من الحسم داخل المجلس.
ويعتقد أن هذا السيناريو قد يخدم حركة فتح من زاويتين. الأولى، أنه يتيح لها التعامل مع نتائج انتخابية مستقبلية بطريقة تقلل من دلالات أي تراجع في رصيدها الانتخابي، بحيث يمكن إعادة احتساب جزء من النتائج التي تحققها القوائم العائلية أو المحلية أو المستقلة ضمن دائرة القوائم القريبة من الحركة أو المدعومة منها، كما حدث، بحسب تقديره، في الانتخابات المحلية السابقة، حين جرى التعامل مع عدد من القوائم ذات الطابع العائلي باعتبارها قريبة من حركة فتح أو مدعومة منها.
أما الزاوية الثانية، فيرى بشارات أنها تتمثل في قدرة حركة فتح على التأثير في تركيبة مجلس شديد التعددية من خلال التأثير على الأفراد والقوائم الصغيرة، ودعم توجهات أو شخصيات تكون أقرب إلى رؤيتها السياسية، بما يتيح لها بناء تفاهمات وتحالفات متعددة داخل المجلس، بدل مواجهة كتلة سياسية معارضة كبيرة ومتماسكة.
ويخلص إلى أن الإبقاء على نسبة الحسم عند واحد بالمائة قد يؤدي، وفق هذه القراءة، إلى قطع الطريق أمام تشكل تكتل سياسي معارض واسع قادر على تحدي سياسات السلطة الفلسطينية أو حركة فتح داخل المجلس التشريعي، بحيث يصبح المشهد البرلماني قائمًا على مجموعة واسعة من القوائم والكتل الصغيرة، وهو ما يمنح القوى الأكبر مساحة أكبر للمناورة والتأثير في اتجاهات المجلس وتحالفاته.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي عوني المشني أن الإبقاء على نسبة الحسم عند واحد بالمائة في الانتخابات التشريعية المقبلة يطرح تساؤلات جدية حول شكل المجلس التشريعي القادم وطبيعة تركيبته السياسية، مشيرًا إلى أن هذه النسبة تعني عمليًا أن القائمة الانتخابية تحتاج إلى عدد محدود نسبيًا من الأصوات للوصول إلى المجلس.
ويوضح المشني أنه إذا كان عدد المسجلين للانتخابات يقارب مليونين و700 ألف ناخب، وبافتراض مشاركة انتخابية بحدود 65%، فإن عدد الأصوات الصحيحة سيكون في حدود 1.75 مليون صوت تقريبًا، ما يجعل نسبة الواحد بالمائة تعادل نحو 17.5 ألف صوت. وبذلك، فإن أي قائمة تتمكن من تجاوز هذه العتبة تدخل عمليًا في دائرة المنافسة على مقاعد المجلس التشريعي.
ويحذر من أن انخفاض نسبة الحسم إلى هذا المستوى قد يشجع على تشكيل قوائم صغيرة ذات طابع عائلي أو مناطقي أو فصائلي، الأمر الذي قد يقود، برأيه، إلى شرذمة المجلس التشريعي المقبل وتحويله إلى مجموعة واسعة من القوائم المتباينة في توجهاتها وأحجامها.
ويضيف أن المشكلة، وفق قراءته، لا تتوقف عند زيادة عدد القوائم، وإنما تمتد إلى طبيعة البرامج التي ستقدمها هذه القوائم، متسائلًا عن مدى قدرة القوائم الصغيرة، التي قد تقوم على اعتبارات عائلية أو مناطقية أو فصائلية ضيقة، على تقديم برامج سياسية واضحة ورؤى واستراتيجيات متماسكة لإدارة الشأن العام.
ويرى أن تعدد القوائم الصغيرة قد ينعكس كذلك على عملية تشكيل الحكومة والتحالفات السياسية، بحيث تصبح بعض هذه القوائم الصغيرة ذات قدرة على ترجيح كفة طرف على آخر، الأمر الذي قد يجعلها، بحسب تعبيره، عرضة لضغوط ومساومات سياسية مرتبطة بتشكيل الحكومات والتحالفات داخل المجلس.
ويذهب المشني إلى أن انخفاض نسبة الحسم قد يؤدي أيضًا إلى سحب جزء من الأصوات من القوائم السياسية الأكبر، بما قد ينعكس على حجم تمثيلها وقوتها داخل المجلس، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يفضي في النهاية إلى إضعاف الكتل السياسية الكبرى لصالح مشهد برلماني أكثر تشتتًا.
ويقول إن إبقاء نسبة الحسم عند واحد بالمائة لا ينبغي التعامل معه، من وجهة نظره، باعتباره مجرد خيار فني أو سوء تقدير في صياغة النظام الانتخابي، بل يرى أنه إجراء ستكون له نتائج سياسية مباشرة على طبيعة المجلس المقبل وتركيبته.
وفي المقابل، يرى المشني أن نسبة حسم تبلغ نحو ثلاثة بالمائة قد تكون أكثر ملاءمة لطبيعة المجتمع الفلسطيني وبنيته السياسية، لأنها تسمح بتمثيل القوى السياسية القادرة على الحصول على كتلة انتخابية ذات وزن، وفي الوقت ذاته تحد من التشرذم المفرط داخل المجلس التشريعي.
ويخلص إلى أن القائمة التي تستطيع الوصول إلى نحو أربعة مقاعد في المجلس التشريعي يمكن النظر إليها، من حيث الوزن السياسي، باعتبارها قائمة ذات حضور حقيقي وليست مجرد قائمة فردية أو تعبيرًا محدودًا عن حالة عائلية أو مناطقية.
ويختم بالقول إن من يقبلون بنسبة حسم تبلغ واحد بالمائة إنما يقبلون، وفق تقديره، بمجلس تشريعي قد يغلب عليه الطابع العشائري والمحلي على حساب التمثيل السياسي القائم على البرامج والرؤى.
تجدر الإشارة إلى أن الإبقاء على نسبة الحسم عند 1% يأتي في سياق التحضيرات للانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعد صدور المرسوم الرئاسي الداعي إلى إجراء الانتخابات، إلى جانب قرار بقانون معدل لقانون الانتخابات العامة أعاد عدد أعضاء المجلس التشريعي إلى 132 عضوًا وأبقى على نسبة الحسم عند واحد بالمائة.
وتأتي هذه التعديلات بعد سنوات من تعطل إجراء الانتخابات التشريعية، إذ كانت آخر انتخابات للمجلس التشريعي قد جرت عام 2006، فيما تعذر إجراء الانتخابات التي كانت مقررة عام 2021 بعد قرار تأجيلها. ويعيد تحديد موعد الانتخابات المقبلة ملف النظام الانتخابي إلى واجهة النقاش السياسي، خصوصًا ما يتعلق بنسبة الحسم وآثارها المحتملة على طبيعة التمثيل داخل المجلس.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY