Search
Close this search box.
Search
Close this search box.

المخيمات الفلسطينية في سوريا بعد التحرير: ما الذي تغيّر بين رمضانين؟

بين رمضانين فقط، تبدّل المشهد داخل المخيمات الفلسطينية في سوريا بصورة لافتة. ففي حين كان رمضان الماضي عنوانه كسر الخوف والعودة الرمزية إلى المكان، بات رمضان هذا العام عنوانه تثبيت الحياة والانتقال من مشاعر التحرر إلى بناء واقع أكثر استقرارًا، رغم التحديات الاقتصادية والخدمية المعقّدة.

من عودة عاطفية إلى استقرار تدريجي

في رمضان السابق، كانت العودة إلى مخيم اليرموك جنوب دمشق، خطوة يغلب عليها البعد العاطفي. أما اليوم، فقد بدأت ملامح استقرار فعلي تتشكل.

يقول سامر الخطيب (42 عامًا)، وهو صاحب محل أعاد افتتاحه مؤخرًا:

“في العام الماضي عدنا لنرى بيوتنا ونطمئن على ما تبقى منها. هذا العام صرنا نفكر في الاستقرار والتوسع. الحركة التجارية أفضل، وعدد العائلات المقيمة ازداد بصورة ملحوظة”.

وتشير تقديرات محلية إلى ارتفاع عدد العائلات التي استقرت بشكل دائم مقارنة بالعام الماضي، مع استمرار عودة تدريجية إلى أحياء جنوب دمشق، رغم استمرار الدمار في أجزاء واسعة من المخيم.

تحسّن أمني… وضغط اقتصادي أكبر

لم يعد العامل الأمني الهاجس الأول كما كان في رمضان الماضي. تقول أم محمد، وهي معلمة عادت إلى المخيم بعد سنوات من النزوح:

“كنا العام الماضي نتحدث عن الأمان بوصفه مطلبًا أساسيًا. اليوم نشعر بقدر من الاستقرار، لكن التحدي الأكبر أصبح في تأمين سبل العيش. الأسعار مرتفعة، وفرص العمل محدودة، والدخل غير مستقر”.

بهذا المعنى، انتقل مركز القلق من الهاجس الأمني إلى الضغوط الاقتصادية، حيث لا تزال معدلات البطالة مرتفعة بين العائدين، ويعتمد كثير من الأسر على تحويلات مالية من الخارج.

تقليصات “أونروا” وفراغ الخدمات

من أبرز المتغيرات بين رمضانين تأثير تقليصات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. ففي الوقت الذي كان التركيز فيه العام الماضي منصبًا على إعادة تشغيل المدارس والمراكز الصحية، باتت الشكاوى هذا العام تتعلق بتخفيض ساعات الدوام وتراجع المساعدات النقدية والغذائية.

يقول أبو علاء، أحد العاملين السابقين في مجال الإغاثة:

“عدد السكان في ازدياد، لكن الخدمات لا تتوسع بالمقدار نفسه. هناك ضغط واضح على العيادات، ونقص في الدعم الاجتماعي، وهذا ينعكس مباشرة على الأسر الأكثر هشاشة”.

ملف الحقوق المدنية والجنسية

من القضايا التي برزت بصورة أوسع هذا العام مسألة الوضع القانوني طويل الأمد للفلسطينيين في سوريا. فقد اتسع نطاق النقاش حول مستقبل الحقوق المدنية، وطبيعة العلاقة القانونية مع الدولة السورية، وحدود ما يمكن تطويره من أطر قانونية تضمن الاستقرار دون المساس بالهوية الوطنية الفلسطينية.

يقول المحامي الشاب علاء ناصر:

“النقاش اليوم لم يعد يقتصر على إعادة الإعمار. هناك تساؤلات متزايدة حول وضع الوثائق الرسمية، والحقوق المدنية، والجنسية، ومستقبل الأجيال الشابة التي وُلدت خلال سنوات الحرب. هذه القضايا لم تكن مطروحة بالوضوح نفسه في رمضان الماضي”.

جيل جديد ومبادرات محلية

اللافت هذا العام بروز مبادرات شبابية وتنظيمات أهلية تسعى إلى إعادة تنظيم الحياة المجتمعية داخل المخيمات. حملات تنظيف، ومبادرات ترميم ذاتي، وأنشطة جماعية تعكس رغبة في استعادة الروح الاجتماعية التي تضررت خلال سنوات النزوح.

تقول ميساء درويش، طالبة جامعية:

“في العام الماضي كان الهمّ الأساسي هو النجاة. هذا العام بدأنا نفكر في المستقبل، في المشاريع الصغيرة، وفي كيفية بناء مجتمع أكثر تماسكًا”.

بين التحدي والأمل

لا تزال البنية التحتية في وضع حرج، إذ تحتاج شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي إلى إعادة تأهيل شاملة، كما لم يُحسم ملف الملكيات العقارية بصورة كاملة. ومع ذلك، فإن الفارق الأبرز بين رمضانين يكمن في التحول النفسي والاجتماعي.

لم يعد الحديث يدور حول الخوف من المجهول أو الهاجس الأمني، بل حول فرص العمل، وتحسين الخدمات، وضمان الحقوق، وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

يرى الفلسطينيون في سوريا أن رمضان هذا العام في المخيمات لا يمثل نهاية للأزمات، لكنه يعكس انتقالًا من مرحلة الخوف إلى مرحلة البحث عن حلول دائمة. وبين أنقاض الأبنية، تتشكل إرادة جماعية لتحويل العودة إلى بداية فعلية لحياة جديدة، تقوم على الحرية والكرامة والاستقرار.

SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY