بدأت ملامح انخراط دول من أمريكا اللاتينية تتضح في المبادرة الأميركية المسماة “مجلس السلام لقطاع غزة”، التي أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب منتصف الشهر الجاري ضمن المرحلة الثانية من خطته لما بعد الحرب. وتقول واشنطن إن هذه المرحلة تستهدف إعادة الإعمار وترتيب الحكم الانتقالي في القطاع، غير أن كثيرًا من المراقبين يرون أنها تنقل، في جوهرها، ملف غزة إلى إطار دولي جديد تقوده الولايات المتحدة بشكل مباشر.
وتُظهر الوقائع المعلنة خلال الأيام الماضية أن أمريكا اللاتينية لم تكن على هامش هذه المبادرة، بل وُضعت في صلبها، سواء عبر قبول صريح بالمشاركة أو من خلال دعوات رسمية لا تزال قيد الدرس، في مشهد يعكس تباينًا سياسيًا واضحًا داخل الإقليم.
الأرجنتين: إعلان الانضمام من بوابة الاصطفاف السياسي
كان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أول رئيس من أمريكا اللاتينية يعلن انضمام بلاده رسميًا إلى مجلس السلام.
ونشر ميلي عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس” رسالة الدعوة الموقّعة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، مؤكدًا أن الأرجنتين ستنضم إلى المجلس بصفة “عضو مؤسس”.
وقال ميلي في منشوره إن انضمام بلاده يأتي في إطار دعم “السلام الدائم في المناطق المتأثرة بالنزاعات، بدءًا من قطاع غزة”، مضيفًا أن الأرجنتين ستقف إلى جانب الدول التي “تحارب الإرهاب وتدافع عن الحياة والحرية”.
ويرى مراقبون أن اللغة المستخدمة في خطاب ميلي تعكس تقاطعًا واضحًا مع المقاربة الأميركية لملف غزة، التي تربط مستقبل القطاع بترتيبات أمنية وسياسية جديدة، من بينها نزع سلاح الفصائل الفلسطينية وإعادة تشكيل بنية الحكم فيه ضمن مرحلة انتقالية تشرف عليها أطراف دولية.
وتكتسب خطوة ميلي أهمية إضافية في ضوء علاقته السياسية الوثيقة مع ترامب، وكذلك مع الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، وهي علاقة تعززت خلال عام 2025 في سياق الأزمة الاقتصادية التي شهدتها الأرجنتين، حين حظيت بوينس آيرس بدعم سياسي ومالي من واشنطن، بحسب تقارير دولية سابقة.
باراغواي: قبول سياسي وجدال مالي
في باراغواي، اتخذ المسار طابعًا مختلفًا. فقد أعلن الرئيس سانتياغو بينيا، عبر منصة “إكس”، تلقيه دعوة رسمية من الرئيس الأميركي دونالد ترامب للانضمام إلى مجلس السلام بصفة “شريك مؤسس”، معتبرًا أن الهدف المعلن يتمثل في العمل في المناطق المتأثرة بالنزاعات، مع تركيز خاص على قطاع غزة.
غير أن الجدل سرعان ما تصاعد عقب تسريبات وتقارير دولية تحدثت عن اشتراط “مساهمة مالية” قد تصل إلى مليار دولار للحصول على العضوية الكاملة. ودفع ذلك وزير الخارجية البراغواي روبن راميريز إلى الإدلاء بتصريح رسمي حاسم، أكد فيه أن بلاده ستشارك بصفة “عضو مؤسس كامل”، من دون الالتزام بدفع أي مبلغ مالي، موضحًا أن باراغواي “ليست في وضع يسمح لها بدفع مليار دولار”.
وأوضح راميريز أن الوثيقة التأسيسية للمجلس تنص على أن مدة العضوية لا تتجاوز ثلاث سنوات، قابلة للتجديد بقرار من الرئيس الأميركي، مشيرًا إلى أن الاستثناء الوحيد يتعلق بالدول التي تختار طوعًا تقديم مساهمات مالية كبيرة خلال السنة الأولى، وهو ما لا ينطبق على باراغواي.
وأثار هذا الملف نقاشًا داخليًا واسعًا، إذ نقلت وسائل إعلام محلية تصريحات لسياسيين معارضين حذروا من أن الانضمام إلى مجلس تُدار مفاصله من واشنطن قد يضع باراغواي في موقع تبعية سياسية، في ظل غموض الصلاحيات الفعلية للمجلس وطبيعة آليات اتخاذ القرار داخله.
البرازيل: دعوة رسمية وتحفّظ دبلوماسي
في المقابل، لم تحسم البرازيل موقفها بعد. وأكدت وزارة الخارجية البرازيلية (إيتاماراتي)، في تصريحات صحفية، أن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا تلقى دعوة رسمية من الإدارة الأميركية للانضمام إلى مجلس السلام، إلا أن الرد لم يُرسل حتى الآن.
وبحسب مصادر دبلوماسية برازيلية، تتعامل الحكومة مع الدعوة باعتبارها ملفًا معقدًا وحساسًا يتطلب دراسة معمقة لتركيبة المجلس وطبيعة أدواره. وتشير هذه المصادر إلى أن الصيغة المعلنة للمجلس تثير تساؤلات سياسية وقانونية، سواء من حيث غياب أي تمثيل فلسطيني رسمي منتخب، أو لكون تشكيله جرى من دون تنسيق مسبق مع الأطراف الإقليمية المعنية، فضلًا عن تمركز القيادة وصنع القرار بيد الإدارة الأميركية.
ونقلت وسائل إعلام برازيلية عن مسؤولين قولهم إن البرازيل لا تعتزم اتخاذ قرار متسرع في هذا الشأن، لا سيما أن الدعوة وصلت في وقت كانت فيه الدبلوماسية البرازيلية منشغلة بتوقيع اتفاق ميركوسور – الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من ربع قرن من المفاوضات، وهو ما يفسر تأجيل الرد إلى موعد لاحق.
إطار أميركي بطابع دولي
وبحسب البيانات الصادرة عن البيت الأبيض، تشمل الدول التي وُجّهت إليها دعوات للانضمام إلى مجلس السلام، حتى الآن، الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وكندا ومصر وتركيا، إلى جانب دول أخرى، مع تأكيد أن القائمة ما تزال مفتوحة وقابلة للتوسيع. ويُطرح هذا المجلس، وفق الرؤية الأميركية، بوصفه آلية دولية للإشراف على المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وهي مرحلة تتضمن ترتيبات أمنية وسياسية، من بينها نزع سلاح حركة حماس، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وبدء عمل هياكل حكم وأمن جديدة في القطاع، تحت رقابة دولية تقودها واشنطن.
وفي هذا الإطار، يرى مراقبون أن انخراط دول من أمريكا اللاتينية يندرج ضمن مسعى أميركي لإضفاء غطاء دولي أوسع على خطة جرى إعدادها داخل دوائر الإدارة الأميركية، وتسعى إلى إدارة مستقبل غزة عبر إطار دولي جديد، خارج المسار التفاوضي الفلسطيني–الإسرائيلي التقليدي.
ZCZC