يمثّل مخيم “حيفا الكرمل”، الذي أُنشئ في منطقة جبل “كللي” بريف إدلب الشمالي، شمال سوريا، بتبرعات فلسطينيي الداخل المحتل، بهدف إيواء اللاجئين والنازحين الفلسطينيين والسوريين، إحدى المحطات الجديدة لمسار النزوح الطويل.
ورغم الامتنان للفكرة الإنسانية التي أدت إلى بنائه، تكشف شهادات سكانه عن واقع صعب يعيشه نحو تسعين أسرة، من أصل أكثر من 400 عائلة فلسطينية كانت تسكن التجمع، ما زالت تعاني من آثار الحرب، بين بيوت مدمرة في دمشق وخدمات تكاد تكون معدومة في المخيم. وفي هذا التقرير، تُنقل صورة حيّة عن تفاصيل الحياة اليومية كما يرويها رجال ونساء يقيمون في المخيم منذ تحرير دمشق.
اللاجئ الفلسطيني أبو رائد، وهو رجل في الخمسين من عمره اضطر للنزوح من مخيم “دير بلوط”، أوضح لـ “قدس برس” أن وصوله إلى مخيم “حيفا الكرمل” لم يكن خيارا بقدر ما كان محاولة للبحث عن مأوى يخفف قسوة النزوح. وأوضح أن الأهالي داخل الأرض المحتلة فأطلقوا قبل سنوات حملة لجمع التبرعات لبناء هذا المخيم،
مضيفا: “لم يكن الانتقال خطأ، فهو أفضل من الخيمة، لكنه ليست الحياة التي نتطلع إليها”. وأشار إلى أن عودته إلى منزله الأصلي في دمشق بعد التحرير كانت صدمة كبيرة، إذ وجد المنزل خاليا من الحديد بعد أن تمت سرقته بالكامل، وقال: “كنت أظن أن العودة ستخفف الألم، لكنني وجدت منزلي بلا سقف تقريبا، والحديد المسحوب كشف كل شيء”.
وأوضح أنه يواجه اليوم مشكلة إضافية تتمثل في أن ولديه متزوجان ولديهما أطفال، ولا يملك سوى غرفتين وصالون واحد، متسائلًا: “أين أضع عائلتي؟ ومعي لا يمكنهم السكن، والعودة إلى دمشق تحتاج إلى إيجار بالدولار وهو أمر فوق طاقتنا”.
وفي شهادة أخرى، ذكرت اللاجئة الفلسطينية أم أنس، وهي أم لخمسة أطفال، أن الظروف في المخيم ازدادت سوءا بعد التحرير، وقالت إن مستوى الخدمات كان أقل من خمسين بالمئة سابقا لكنه اليوم “وصل إلى الصفر”. وأكدت أن المياه شحيحة، والكهرباء شبه معدومة، والنفايات تتراكم لعدم وجود جهة مسؤولة عن التنظيف. وأضافت أن العودة إلى دمشق ليست خيارا لأن بيوتهم مدمرة هناك، مشيرة إلى أن غياب المنظمات الإنسانية عن المخيم يزيد المعاناة، وقالت: “نحن تسعين عائلة فقط، ولسنا عددا كبيرا، ومن الطبيعي أن تقوم الهيئات الخيرية بزيارة المخيم والاطلاع على أحوال الناس”.
أما اللاجئ الفلسطيني أبو مهند، وهو من أبناء مخيم اليرموك، فقد أكد أن سكان المخيم يعيشون أوضاعا لا يمكن وصفها بالإنسانية، موضحا أن تدمير منازلهم في اليرموك جعل العودة شبه مستحيلة، وقال: “نريد العودة إلى بيوتنا مهما كان الدمار، فمن غير الطبيعي أن نستمر في حياة مؤقتة لا تشبه الاستقرار”. ولفت إلى أن مطلبهم الأساسي يتمثل في تدخل وكالة الأونروا ومساعدتهم في ترميم المنازل أو توفير حلول بديلة، مضيفًا: “لسنا باختيارنا هنا، بل لأن كل الطرق الأخرى مغلقة”.
وتحدثت اللاجئة الفلسطينية أم باسل، وهي أم لثلاثة أطفال، عن غياب المرافق التعليمية والصحية في المخيم، مؤكدة أن عدم وجود مدرسة اضطرها لإرسال أطفالها إلى مخيم مجاور، رغم أن الطريق إليه مظلم (بالنسبة للدوام المسائي) وتنتشر فيه الكلاب الشاردة. وقالت إن التجمع بحاجة إلى مدرسة ومساحة آمنة للأطفال وعيادة صغيرة على الأقل، مشيرة إلى أن غياب هذه المرافق يجعل الحياة اليومية شديدة الصعوبة. وأضافت أنها لا تستطيع العودة إلى منزلها في اليرموك لأنه دُمّر بالكامل ولم يعد صالحًا للسكن.
وتشير شهادات السكان مجتمعة إلى واقع إنساني مرهق يستدعي تدخلا سريعا من الجهات المختصة، سواء من المنظمات الإنسانية أو من الأونروا، لتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة في قرية حيفا الكرمل، ولإيجاد حلول واقعية للأسر التي ما زالت عالقة بين دمار الماضي وغياب الحاضر، في انتظار عودة قد تطول.
SOURCE: QUDS PRESS INTERNATIONAL NEWS AGENCY